فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 6876

يكذّب نفسه على كبر السّنّ، فليعفني أمير المؤمنين؛ قال: فأعفاه. وقال كثيّر: إنّي أكره أن أعرّض نفسي لشعراء أهل العراق إن هجوت بني المهلّب. وأمّا الأحوص فإنّه هجاهم. ثم بعث به يزيد بن عبد الملك إلى الجرّاح بن عبد اللّه الحكميّ وهو بأذربيجان، وقد كان بلغ الجرّاح هجاء الأحوص بني المهلّب، فبعث إليه بزقّ من خمر فأدخل منزل الأحوص، ثم بعث إليه خيلا فدخلت منزله فصبّوا الخمر على رأسه ثم أخرجوه على رؤوس الناس فأتوا به الجرّاح، فأمر بحلق رأسه ولحيته، وضربه الحدّ بين أوجه الرجال، وهو يقول: ليس هكذا تضرب الحدود؛ فجعل الجرّاح يقول: أجل! ولكن لما تعلم. ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك يعتذر فأغضى له عليها.

رأي أبي الفرج فيه واستدلاله على هذا الرأي:

قال أبو الفرج الأصبهانيّ: وليس ما جرى من ذكر الأحوص إرادة للغضّ منه في شعره، ولكنّا ذكرنا من كلّ ما يؤثر عنه ما تعرف به حاله من تقدّم وتأخّر، وفضيلة ونقص؛ فأمّا تفضيله وتقدّمه في الشعر فمتعالم مشهور، وشعره ينبىء عن نفسه ويدلّ على فضله فيه وتقدّمه وحسن رونقه وتهدّبه وصفائه.

رأي الفرزدق وجرير في نسيبه:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء والطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد الملك بن عبد العزيز [1] قال حدّثني عبد اللّه بن مسلم بن جندب الهذليّ قال حدّثنا شيخ لنا من هذيل كان خالا للفرزدق من بعض أطرافه قال:

سمعت بالفرزدق وجرير على باب الحجّاج، فقلت: لو تعرّضت ابن أختنا! فامتطيت إليه بعيرا، حتى وجدتهما قبل أن يخلصا [2] ، ولكلّ واحد منهما شيعة؛ فكنت/ في شيعة الفرزدق؛ فقام الآذن يوما فقال: أين جرير؟ فقال جرير: هذا أبو فراس؛ فأظهرت شيعته لومه وأسرّته. فقال الآذن: أين الفرزدق؟ فقام فدخل. فقالوا لجرير: أتناوئه وتهاجيه وتشاخصه، ثم تبدّى عليه فتأبى وتبدّيه؟! قضيت له على نفسك! فقال لهم: إنّه نزر القول، ولم ينشب [3] أن ينفد ما عنده وما قال فيه فيفاخره ويرفع نفسه عليه؛ فما جئت به بعد حمدت عليه واستحسن. فقال قائلهم: لقد نظرت نظرا بعيدا. قال: فما نشبوا أن خرج الآذن فصاح: أين جرير؟ فقام جرير فدخل. قال:

فدخلت، فإذا ما مدحه به الفرزدق قد نفد، وإذا هو يقول:

أين الذين بهم تسامي دارما [4] ... أم من إلى سلفي [5] طهيّة تجعل

قال: وعمامته على رأسه مثل المنسف [6] ، فصحت من ورائه:

[1] كذا فيء، ط، م، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة الماجشون. وفي سائر الأصول: «قال حدّثنا عبد العزيز» وفيه حذف؛ لأن الزبير بن بكار روى عن عبد الملك ولم يرو عن أبيه.

[2] يخلصا: يصلا؛ يقال: خلص فلان إلى كذا إذا وصل إليه.

[3] لم ينشب: لم يلبث. وهذا اللفظ عند العرب عبارة عن السرعة. وأصله من نشب العظم في الخلق والصيد في الحبالة. أي لم يعلق به شيء يمنعه من ذلك.

[4] دارم: اسم قبيلة.

[5] في ب، س: «سفلى طهية» وهو تحريف. والتصويب عن بقية الأصول والنقائض (ص 183) . وطهية: بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانت عند مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد، فولدت له أبا سود وعوفا وجشيشا، فغلبت على بنيها فنسبوا إليها.

[6] المنسف: الغربال الكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت