فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم تعمد إلى صوت قد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر فما عابه منهم أحد فتعيبه ليتمّ تنغيصك إياه لذّته!؛ أما واللّه لو [1] الفضل بن يحيى أو أخوه [2] جعفر دعاك إلى مثل/ ما دعاك إليه الأمير، بل بعض أتباعهم، لبادرت وباكرت وما تأخّرت ولا اعتذرت؛ قال: فأمسك الفضل عن الجواب إعجابا بما خاطب به علّويه إسحاق؛ فقال له إسحاق: أمّا ما ذكرته من تأخّري عنه إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أنّي لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع، إن وثق بذلك منّي وإلّا ذكرت له الحجة سرّا من حيث لا يكون لك ولا لغيرك فيه مدخل. وأما ترفّعي عنه، فكيف أترفّع عنه وأنا أنتسب إلى صنائعه وأستمنحه وأعيش من فضله مذ كنت، وهذا تضريب [3] لا أبالي به منك. وأما حملي النبيذ معي، فإنّ لي في النبيذ شرطا من طعمه وريحه،/ وإن لم أجده لم أقدر على الشرب وتنغّص عليّ يومئذ، وإنما حملته ليتمّ نشاطي وينتفع بي. وأما طعني على ما اختاره، فإني لم أطعن على اختياره، وإنما أردت تقويمك، ولست واللّه تراني متتبعا لك بعد هذا اليوم ولا مقوّما شيئا من خطئك؛ وأنا أغنّي له - أعزّه اللّه - هذا الصوت فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك أخطأت فيه وقصّرت. وأما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أن أجحده، وإني لحقيق فيه بالمعذرة، وأحرى أن أشكرهم على صنيعهم وبأن أذيعه وأنشره، وذلك واللّه أقلّ ما يستحقّونه منّي.
ثم أقبل على الفضل - وقد غاظه مدحه لهم - فقال: اسمع منّي شيئا أخبرك به مما فعلوه ليس هو بكبير في صنائعهم عندي ولا عند أبي قبلي، فإن وجدت لي عذرا وإلا فلم: كنت في ابتداء أمري نازلا مع أبي في داره، فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه وجواريّ وجواريه الخصومة، كما تجري بين هذه الطبقات، فيشكونهم إليه، فأتبيّن الضّجر والتنكّر في وجهه؛ فاستأجرت دارا بقربه وانتقلت إليها أنا وغلماني وجواريّ، وكانت دارا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلة لها ولا لمن يدخل إليّ من إخواني أن يروا مثله عندي؛ ففكرت في ذلك وكيف/ أصنع، وزاد فكري حتى خطر بقلبي قبح الأحدوثة من نزول مثلي في دار بأجرة، وأني لا آمن في وقت أن يستأذن عليّ [صاحب داري] [4] ، وعندي من أحتشمه ولا يعلم حالي، فيقال صاحب دارك، أو يوجّه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أحتشمه؛ فضاق بذلك صدري ضيقا شديدا حتى جاوز الحدّ؛ فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرّج فيها مما دخل على قلبي، فأسرجه وركبت برداء ونعل؛ فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطريق التي أسلك فيها حتى هجم بي على باب يحيى بن خالد؛ فتواثب غلمانه إليّ؛ وقالوا: أين هذا الطريق؟
فقلت: إلى الوزير؛ فدخلوا فاستأذنوا لي؛ وخرج الحاجب فأمرني بالدخول، وبقيت خجلا، قد وقعت في أمرين فاضحين: إن دخلت إليه برداء ونعل وأعلمته أنّي قصدته في تلك الحال كان سوء أدب، وإن قلت له: كنت مجتازا ولم أقصدك فجعلتك طريقا كان قبيحا؛ ثم عزمت فدخلت؛ فلمّا رآني تبسّم وقال: ما هذا الزّيّ يا أبا محمد! احتبسنا لك بالبر والقصد والتفقّد ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا؛ فقلت: لا واللّه يا سيّدي، ولكني أصدقك؛ قال:
هات؛ فأخبرته القصّة من أوّلها إلى آخرها؛ فقال: هذا حقّ مستو، أفهذا شغل قلبك؟ قلت: إي واللّه! وزاد فقال:
لا تشغل قلبك بهذا، يا غلام، ردّوا حماره وهاتوا له خلعة؛ فجاءوني بخلعة تامّة من ثيابه فلبستها، ودعا بالطعام فأكلت ووضع النبيذ فشربت وشرب فغنّيته، ودعا في وسط ذلك بدواة ورقعة وكتب أربع رقاع ظننت بعضها توقيعا
[1] كذا في ح و «مختار الأغاني» لابن منظور (ص 147) . وفي سائر الأصول: «لو لا الفضل» ، وهو تحريف.
[2] كذا في «مختار الأغاني» لابن منظور. وفي الأصول: «الفضل بن يحيى وأخوه ... إلخ» بالواو، ولا تستقيم بها العبارة.
[3] التضريب: الإغراء بين القوم.
[4] التكملة عن «مختار الأغاني» .