فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الطّلول الدوارس ... فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أهلها ... فهي قفر بسابس
فكان أمرها فيه أصلح منه في الأوّل. ثم غنّت أصواتا من القديم والحديث، وغنّت في أثنائها من صنعتي:
قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا
قد بلغت الذي أرد ... ت وإن كنت لاعبا
فكان أصلح ما غنّته؛ فاستعدته منها لأصحّحه لها؛ فأقبل عليّ رجل من الرجلين وقال: ما رأيت طفيليّا أصفق وجها منك! لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت، وهذا غاية/ المثل/ «طفيليّ مقترح» ؛ فأطرقت ولم أجبه؛ وجعل صاحبه يكفّه عنّي فلا يكفّ. ثم قاموا للصلاة وتأخرت قليلا، فأخذت عود الجارية، ثم شددت طبقته وأصلحته إصلاحا محكما، وعدت إلى موضعي فصلّيت، وعادوا؛ ثم أخذ ذلك الرجل في عربدته عليّ وأنا صامت؛ ثم أخذت الجارية العود فجسّته وأنكرت حاله وقالت: من مسّ عودي؟ قالوا: ما مسّه أحد! قالت: بلى! واللّه لقد مسّه حاذق متقدّم وشدّ طبقته وأصلحه إصلاح متمكّن من صناعته؛ فقلت لها: أنا أصلحته؛ قالت: فباللّه خذه واضرب به؛ فأخذته وضربت به مبدأ صحيحا ظريفا عجيبا صعبا، فيه نقرات محرّكة؛ فما بقي أحد منهم إلا وثب [على قدميه] [1] وجلس بين يديّ؛ ثم قالوا: باللّه يا سيّدنا أتغنّي؟ فقلت: نعم، وأعرّفكم نفسي، أنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، وو اللّه إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني [2] وأنتم تسمعونني ما أكره منذ اليوم لأني تملّحت معكم؛ فو اللّه لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغثّ؛ فقال له صاحبه: من هذا حذرت عليك؛ فأخذ يعتذر؛ فقلت: واللّه لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى يخرج؛ فأخذوا بيده فأخرجوه وعادوا.
فبدأت وغنّيت الأصوات التي غنّتها الجارية من صنعتي؛ فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟ قلت: ما هي؟ قال:
تقيم عندي شهرا، والجارية والحمار لك مع ما عليها من حليّ؛ قلت: أفعل، فأقمت عنده ثلاثين يوما لا يدري أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كلّ موضع فلا يعرف لي خبرا. فلمّا كان بعد ثلاثين يوما أسلم إليّ الجارية والحمار والخادم؛ فجئت بذلك إلى منزلي؛ وركبت إلى المأمون من وقتي؛ فلمّا رآني قال: إسحاق! ويحك! أين تكون؟
فأخبرته بخبري؛ فقال: عليّ بالرجل/ الساعة؛ فدللتهم على بيته فأحضر؛ فسأله المأمون عن القصة فأخبره؛ فقال له: أنت رجل ذو مروءة وسبيلك أن تعاون عليها، وأمر له بمائة ألف درهم، وقال: لا تعاشرنّ ذلك المعربد النّذل البتّة؛ وأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال: أحضرني الجارية، فأحضرتها فغنّته؛ فقال لي: قد جعلت لها نوبة في كلّ يوم ثلاثاء تغنّيني وراء الستارة مع الجواري؛ وأمر لها بخمسين ألف درهم. فربحت واللّه بتلك الرّكبة وأربحت.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
ذكرتك أن مرّت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرّة ... شعاع الضّحى في متنها يتوضّح
[1] زيادة عن ء.
[2] كذا في ح. وفي سائر الأصول: «إذا كلمني» .