ثم خاصرتها إلى القبّة الخض ... راء تمشي في مرمر مسنون
فقال: واللّه يا أمير المؤمنين ما قلت هذا، وإنما قيل على لساني. فقال له: أمّا من جهتي فلا خوف عليك، لأنّي أعلم صيانة ابنتي نفسها، وأعرف أنّ فتيان الشعر لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه وكلّ من لم يجز، وإنما أكره لك جوار يزيد، وأخاف عليك وثباته، فإن له سورة الشباب وأنفة الملوك. وإنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل فتنقضي المقالة عن ابنته؛ فحذر أبو دهبل فخرج إلى مكة هاربا على وجهه، فكان يكاتب عاتكة. فبينا معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاءه خصيّ له فقال: يا أمير المؤمنين، واللّه لقد سقط إلى عاتكة اليوم كتاب، فلمّا قرأته بكت ثم أخذته فوضعته تحت مصلّاها، وما زالت خاثرة/ النفس منذ اليوم. فقال له: اذهب فالطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به. فانطلق الخصيّ، فلم يزل يلطف حتى أصاب منها غرّة فأخذ الكتاب وأقبل به إلى معاوية، فإذا فيه:
أعاتك هلّا إذ بخلت فلا ترى ... لذي صبوة زلفى لديك ولا حقّا [1]
رددت فؤادا قد تولّى به الهوى ... وسكّنت عينا لا تملّ ولا ترقا [2]
ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يوما منك جودا ولا صدقا
أتنسين أيّامي بربعك مدنفا ... صريعا [3] بأرض الشأم ذا سقم ملقى
وليس صديق يرتضى لوصيّة ... وأدعو لدائي بالشّراب فما أسقى
وأكبر همّي أن أرى لك مرسلا ... فطول نهاري جالس أرقب الطّرقا
فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى
رأيتك تزدادين للصّبّ غلظة ... ويزداد قلبي كلّ يوم لكم عشقا
/ قال: فلما قرأ معاوية هذا الشعر بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه فوجد معاوية مطرقا، فقال:
يا أمير المؤمنين، ما هذا الأمر الذي شجاك؟ قال: أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما أعمل في شأنه.
قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب بهذه الأبيات إلى أختك عاتكة، فلم تزل باكية منذ اليوم، وقد أفسدها، فما ترى فيه؟ فقال: اللّه إن الرأي لهيّن. قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقّة مكة فيريحنا منه. قال معاوية: أفّ لك! واللّه إنّ امرأ يريد بك ما يريد ويسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي، وأنت قد ضاق ذرعك بكلمة وقصر فيها باعك حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش! أو ما تعلم أنك إذا فعلت ذلك صدّقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبدا! قال: يا أمير المؤمنين، إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة وسارت حتى بلغتني وأوجعتني وحملتني على ما أشرت به فيه. قال: وما هي؟ قال قال [4] :
ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهل ... وما كلّ من يلحى محبّا له عقل
[1] كذا في «تجريد الأغاني» . وفي الأصول: «و لا رقا» .
[2] لا ترقا: لا يجف دمعها.
[3] في أ، ء، م: «مريضا» .
[4] هذه الكلمة ساقطة في ب، س.