أربعة أشهر لا نصل إليه، وجعل مسلمة يستأذن لنا فلا يؤذن. فقلت: لو أتيت المسجد يوم الجمعة فتحفّظت من كلام عمر شيئا!. فأتيت المسجد فأنّا أوّل من حفظ كلامه، سمعته يقول في خطبة له: لكل سفر زاد لا محالة، فتزوّدوا من الدنيا إلى الآخرة التّقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ اللّه له من ثوابه وعقابه، فعمل طلبا لهذا وخوفا من هذا. ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، وتنقادوا لعدوّكم. واعلموا أنه إنما يطمئنّ بالدنيا من وثق بالنّجاة من عذاب اللّه في الآخرة. فأما من لا يداوي جرحا إلّا أصابه جرح من ناحية أخرى، فكيف يطمئنّ بالدنيا! أعوذ باللّه أن آمركم بما أنهى نفسي عنه فتخسر صفقتي، وتبدو عيلتي، وتظهر مسكنتي يوم لا ينفع فيه إلّا الحقّ والصدق. فارتجّ المسجد بالبكاء، وبكى عمر حتى بلّ ثوبه، حتى ظننّا أنه قاض نحبه. فبلغت إلى صاحبيّ فقلت: جدّدا لعمر من الشّعر غير ما أعددناه، فليس الرجل بدنيويّ. ثم إن مسلمة استأذن لنا يوم جمعة بعد ما أذن للعامّة. فدخلنا فسلّمنا عليه بالخلافة فردّ علينا. فقلت له:/ يا أمير المؤمنين، طال الثّواء وقلّت الفائدة وتحدّثت بجفائك إيانّا وفود العرب. فقال: يا كثيّر، أما سمعت إلى قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أفمن هؤلاء أنت؟ فقلت له وأنا ضاحك: أنا ابن سبيل ومنقطع به. قال: أو لست ضيف أبي سعيد؟ قلت بلى. قال: ما أحسب من كان ضيف أبي سعيد ابن سبيل ولا منقطعا به. ثم استأذنته في الإنشاد، فقال: قل ولا تقل إلّا حقا؛ فإنّ اللّه سائلك. فقلت:
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف ... بريّا ولم تتبع مقالة مجرم
وقلت فصدّقت الذي قلت بالذي ... فعلت، فأضحى راضيا كلّ مسلم
ألا إنّما يكفي الفتى بعد زيغه ... من الأود الباقي ثقاف المقوّم
لقد لبست لبس الهلوك ثيابها [1] ... وأبدت لك الدنيا بكفّ ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما ... سقتك مدوفا [2] من سمام وعلقم
وقد كنت من أجبالها في ممنّع ... ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية ... صعدت بها أعلى البناء المقدّم
فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن ... لطالب دنيا بعده من تكلّم
تركت الذي يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأي مصمّم
فأضررت بالفاني وشمّرت للذي ... أمامك في يوم من الهول مظلم
ومالك أن كنت الخليفة مانع ... سوى اللّه من مال رغيب ولا دم
/ سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق ... صعدت به أعلى المعالي بسلّم
[1] الهلوك من النساء: الفاجرة المتساقطة على الرجال. وفي الأصول: «لبس الملوك ببابها» . وظاهر «أنه تحريف» .
[2] مدوفا: مخلوطا. وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ في الدواء والطيب. والسمام: السم.