فلست بلاح لي نديما بزلّة ... ولا هفوة كانت ونحن على الخمر
عركت بجنبي قول خدني وصاحبي ... ونحن على صهباء طيّبة النّشر [1]
/فلمّا تمادى قلت خذها عريقة ... فإنّك من قوم جحاجحة زهر
فما زلت أسقيه وأشرب مثل ما ... سقيت أخي حتّى بدا وضح [2] الفجر
وأيقنت أنّ السّكر طار بلبّه ... فأغرق في شتمي وقال وما يدري
ولاك لسانا كان إذ كان صاحيا ... يقلّبه في كلّ فنّ من الشّعر
شعر له وقد دعا رجلا من قومه للشراب فأبى:
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال:
كان أبو جلدة اليشكريّ قد خرج إلى تستر [3] في بعث، فشرب بها في حانة مع رجل من قومه كان ساكنا بها.
ثم خرج عنها بعد ذلك وعاد إلى بست والرّخج وكان مكتبه [4] هناك، فأقام بها مدّة، ثمّ لقي بها ذلك الرجل الذي نادمه بتستر ذات يوم، فسلّم عليه ودعاه إلى منزله، فأكلا، ثم دعا بالشّراب ليشربا، فامتنع الرجل وقال: إنّي قد تركتها للّه. فقال أبو جلدة وهو يشرب:
ألا ربّ يوم لي ببست وليلة ... ولا مثل أيّامي المواضي بتستر
غنيت بها أسقي سلاف مدامة ... كريم المحيّا من عرانين يشكر
نبادر شرب الراح حتّى نهرّها [5] ... وتتركنا مثل الصّريع المعفّر
فذلك دهر قد تولّى نعيمه ... فأصبحت قد بدّلت طول التّوقّر
فراجعني حلمي وأصبحت [6] منهج ال ... شّراب وقد ما كنت كالمتحيّر
وكل أوان [7] الحق أبصرت قصده ... فلست وإن نبّهت عنه بمقصر
/ سأركض في التّقوى وفي العلم بعدما ... ركضت إلى أمر الغويّ المشهّر
وباللّه حولي واحتيالي وقوّتي ... ومن عنده عرفي الكثير ومنكري
مر به مسمع بن مالك فوثب إليه وقال فيه شعرا:
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن الحارث المدائنيّ قال: مرّ مسمع بن مالك بأبي جلدة،
[1] يقال: عركت ذنبه بجنبي إذا احتملته. والخدن: الصديق. والنشر: الرئحة.
[2] كذا في كتاب «الشعر والشعراء» . ووضح الفجر: بياض الصبح. وفي «الأصول» : «واضح الفجر» .
[3] تستر: مدينة بخوزستان.
[4] لعله: «و كان مكثه هناك» كما تقدّم نظيره في صفحة 313 سطر 12.
[5] هرّه: كرهه.
[6] كذا!. ولعله صوابه «منهج السبيل» أي أصبحت واضحا طريقي الذي أسلكه وقد كنت قديما كالمتحير؛ يقال نهج الطريق وأنهج إذا وضح وبان.
[7] في «الأصول الخطية» : «و قل أوان الحق» . ولم نوفق للصواب فيه.