فهرس الكتاب

الصفحة 2887 من 6876

رأسه بطيلسانه وقام فانصرف وتركها مكانها، حتى جاء بعض أعوانه فأخذها. وقال بعض شعراء ذلك العصر فيه هذه الأبيات:

إنّ الخلنجيّ من تتايهه ... أثقل باد لنا بطلعته

ما إن لذي نخوة مناسبة [1] ... بين أخاوينه وقصعته

يصالح الخصم من يخاصمه ... خوفا من الجور في قضيّته

لو لم تدبّقه كفّ قانصه [2] ... لطارتيها [3] على رعيّته

قال: وشهرت الأبيات والقصّة ببغداد، وعمل له علّويه حكاية أعطاها للزفّانين [4] والمخنّثين فأحرجوه فيها، وكان علّويه يعاديه لمنازعه كانت بينهما ففضحه، واستعفى الخلنجيّ من القضاء ببغداد وسأل أن يولّى بعض الكور البعيدة، فولّي جند دمشق أو حمص. فلمّا ولي/ المأمون الخلافة غنّاه علّويه بشعر الخلنجيّ فقال:

برئت من الإسلام إن كان ذا الّذي ... أتاك به الواشون عنّي كما قالوا

/ ولكنّهم لمّا رأوك غريّة [5] ... بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا

فقد صرت أذنا للوشاة سميعة ... ينالون من عرضي وإن شئت ما نالوا

فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ فقال: قاضي دمشق. فأمر المأمون بإحضاره، فكتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه فأشخص، وجلس المأمون للشّرب وأحضر علّويه، ودعا بالقاضي فقال له: أنشدني قولك:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا

فقال له: يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها منذ أربعين سنة وأنا صبيّ، والذي أكرمك بالخلافة وورّثك ميراث النبوّة ما قلت شعرا منذ أكثر من عشرين سنة إلّا في زهد أو عتاب صديق. فقال له: اجلس فجلس، فناوله قدح نبيذ التمر أو الزّبيب. فقال: لا واللّه يا أمير المؤمنين ما أعرف شيئا منها. فأخذ القدح من يده وقال: أما واللّه لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك، وقد ظننت أنّك صادق في قولك كلّه، ولكن لا يتولّى لي القضاء رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك. وأمر علّويه فغيّر الكلمة وجعل مكانها «حرمت مناي منك» .

ضربه الأمين بوشاية ابن الربيع ثم تقرّب بذلك إلى المأمون فلم ير منه ما يحب:

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك قال:

كان علّويه يغنّي بين يدي الأمين، فغنّى في بعض غنائه:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد

[1] كذا في «الأصول الخطية» . وفي «ب، س» : «مناشبة» بالشين المعجمة. والأخاوين: جمع خوان (بضم أوله وكسره) وهو ما يؤكل عليه الطعام.

[2] في «ب، س» : «قابضه» وهو تصحيف. والتدبيق: صيد الطائر بالدبق وهو الغراء يلزق بجناح الطائر فيصاد به. يقال: دبقه (من باب ضرب) ودبقه (بالتضعيف) .

[3] في «الأصول» : «منها» . والتصويب من «مختصر الأغاني» .

[4] الزفانون: الرقاصون.

[5] غرية: مولعة. وفي «الطبري» (القسم الثالث صفحة 1150) : «سريعة. إليّ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت