فهرس الكتاب

الصفحة 2888 من 6876

وكان الفضل بن الربيع يطعن عليه، فقال للأمين: إنّما يعرّض بك ويستبطىء المأمون في محاربته؛ فأمر به فضرب خمسين سوطا وجرّ برجله، وجفاه مدّة،/ حتى ألقى نفسه على كوثر فترضّاه له وردّ إلى خدمته، وأمر له بخمسة آلاف دينار. فلمّا قدم المأمون تقرّب إليه بذلك، فلم [1] يقع له بحيث يحبّ، وقال له: إنّ الملك بمنزلة الأسد أو النار، فلا تتعرّض لما يغضبه، فإنه ربّما جرى منه ما يتلفك ثم لا تقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه [2] ، ولم يعطه شيئا.

غضب الأمين على إبراهيم الموصلي بعد موته لتقديم اسم المأمون عليه في شعره وترضاه ابنه إسحاق:

ومثل هذا من فعل الأمين، ما حدّثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال:

دخلت على الأمين فرأيته مغضبا كالحا، فقلت له: ما لأمير المؤمنين - تمّم اللّه سروره ولا نغّصه [3] - أراه كالحائر؟ قال: عاظني أبوك الساعة لا رحمه اللّه! واللّه لو كان حيا لضربته خمسمائة سوط، ولو لاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه. فقمت على رجلي وقلت: أعوذ باللّه من سخطك يا أمير المؤمنين! ومن أبي وما مقداره حتّى تغتاظ منه! وما الذي غاظك فلعلّ له فيه عذرا؟ فقال: شدّة محبّته للمأمون وتقديمه إيّاه حتّى قال في الرشيد شعرا يقدّمه فيه عليّ وغنّاه فيه، وغنّيته الساعة فأورثني هذا الغيظ. فقلت: واللّه ما سمعت بهذا قطّ ولا لأبي غناء إلّا وأنا أرويه، ما هو؟ فقال: قوله:

/أبو المأمون فينا والأمين ... له كفنان من كرم ولين

فقلت له: يا أمير المؤمنين لم يقدّم المأمون في الشعر لتقديمه إياه في الموالاة، ولكنّ الشعر لم يصحّ وزنه إلّا هكذا. فقال: كان ينبغي له إذ لم يصحّ الشعر إلّا هكذا أن يدعه إلى لعنة اللّه. فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن.

فلمّا قدم المأمون سألني عن هذا الحديث فحدّثته به، فجعل يضحك ويعجب منه.

مدحه عبد اللّه بن طاهر:

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر قال:

سمعت أبي يقول: لو خيّرت لونا من الطّعام لا أزيد عليه غيره لاخترت الدّرّاجة [4] ؛ لأني إن زدت في خلّها صارت سكباجة [5] ، وإن زدت في مائها صارت إسفيد باجة [6] ، وإن زدت في تصبيرها بل في تشييطها صارت

[1] في «الأصول» : «و لم» بالواو.

[2] في ب، س: «منك» وهو تحريف.

[3] في «ج، ب، من» : «و لا نقصه» بالقاف.

[4] الدراج (بالضم) : ضرب من طير العراق أسود باطن الجناحين وظاهرهما أغبر، على خلقة القطا إلا أنه ألطف. وجعله الجاحظ من أقسام الحمام لأنه يجمع فراخه تحت جناحيه كما يجمع الحمام.

[5] السكباج: مرق يعمل من اللحم والخل، معرب «سكبا» مركب من «سك» أي خل، ومن «با» أي طعام. (عن كتاب الألفاظ الفارسية المعربة») .

[6] الاسفيدباجة: لون من الطعام يتكوّن من البصل والزبدة ومن أشياء أخرى. (عن «القاموس الفارسي الإنكليزي» لاستنجاس) . ويبدو أن هذا التعريف لا يتفق مع ما يدل عليه سياق العبارة هنا، فإنه يدل على أنها تصير ضربا من الحساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت