فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فسلّم فردّت عليه السّلام وتحفّت في المسئلة [1] ، وجلس إليها فحادثته وحادثها فأكثرا، وكلّ واحد منهما مقبل على/ صاحبه معجب به، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة شوقا إليها، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى واجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فانشأ يقول:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزّتني إليك المضاجع
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهمّ بالليل جامع
لقد ثبتت في القلب منك محبّة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع [2]
-عروضه من الطويل، والغناء لإبراهيم الموصليّ رمل بالوسطى عن عمرو - قال: وأدام زيارتها وترك من يأتيه فيتحدّث إليه غيرها، وكان يأتيها في كلّ يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف، فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء [3] فتطير منها، وأنشأ يقول:
وكيف يرجّى وصل ليلى وقد جرى ... بجدّ [4] القوى والوصل أعسر حاسر [5]
صديع [6] العصا صعب المرام إذا انتحى [7] ... لوصل امرىء جدّت عليه الأواصر [8]
/ثم سار إليها في غد فحدّثها بقصته وطيرته ممن لقيه، وأنه يخاف تغيّر عهدها وانتكاثه وبكى، فقالت:
لا ترع [9] ، حاش للّه من تغيّر عهدي، لا يكون واللّه ذلك أبدا إن شاء اللّه، فلم يزل عندها يحادثها [10] بقية يومه، ووقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فجاءها يوما كما كان يجيء، وأقبل يحدّثها فأعرضت عنه، وأقبلت على غيره بحديثها، تريد بذلك محنته وأن تعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك جزع جزعا شديدا حتى بان في وجهه وعرف فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرّة إليه فقالت:
كلانا مظهر للناس بغضا ... وكلّ عند صاحبه مكين
فسرّيّ [11] عنه وعلم ما في قلبها، فقالت له: إنما أردت أن أمتحنك والذي لك عندي أكثر من الذي لي
[1] كذا في ت. وفي ح: «أحفت المسألة» ومعناهما بالغت في ملاطفته والسؤال عنه. وفي بقية النسخ: «أخفت المسألة» بالخاء المعجمة وهو تحريف.
[2] ستأتي هذه الأبيات في قصيدة منسوبة إلى قيس بن ذريح بالجزء الثامن من «الأغاني» طبع بولاق.
[3] أن شؤم.
[4] الجدّ: القطع. والقوى: جمع قوّة وهي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل.
[5] الحاسر: الكاشف يوصف به الرجل والمرأة، يقال: امرأة حاسر بغيرها. إذا حسرت عنها درعها، وكل مكشوفة الرأس والذراعين:
حاسر.
[6] من الصدع بمعنى الشق وهو كناية عن الفراق. قال أبو الهيثم: العصا تضرب مثلا للاجتماع ويضرب انشقاقها مثلا للافتراق الذي لا يكون بعده اجتماع، وذلك لأنها لا تدعى عصا إذا انشقت (انظر «لسان العرب» مادّة صدع) .
[7] انتحى: قصد.
[8] الأواصر: جمع آصرة وهي ما عطفك على رجل من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف.
[9] لا ترع: لا تخف ولا يلحقك فزع.
[10] كذا في ت. وفي سائر النسخ: «يحدّثها» .
[11] أي انجلى همه وانكشف.