قدوم عديّ للحيرة وخروج المنذر للقائه
قال: ثم هلك زيد وابنه عديّ يومئذ بالشأم. وكانت لزيد ألف ناقة للحمالات [1] كان أهل الحيرة أعطوه إياها حين ولّوه ما ولّوه، فلما هلك أرادوا أخذها؛ فبلغ ذلك المنذر، فقال: لا، والّلات والعزّى لا يؤخذ مما كان في يد زيد ثفروق [2] وأنا أسمع الصّوت.
ففي ذلك يقول عديّ بن زيد لابنه النّعمان بن المنذر:
وأبوك المرء لم يشنأ [3] به ... يوم سيم الخسف منّا ذو الخسار
قال: ثم إنّ عديا قدم المدائن على كسرى بهديّة قيصر، فصادف أباه والمرزبان الذي ربّاه قد هلكا جميعا، فاستأذن كسرى في الإلمام بالحيرة فأذن له فتوجّه إليها، وبلغ المنذر خبره/ فخرج فتلقّاه في الناس ورجع معه.
وعديّ أنبل أهل الحيرة في أنفسهم، ولو أراد أن يملّكوه لملّكوه، ولكنه كان يؤثر الصيد واللّهو واللعب على الملك، فمكث/ سنين يبدو [4] في فصلي السنّة فيقيم في جفير [5] ويشتو بالحيرة، ويأتي المدائن في خلال ذلك فيخدم كسرى، فمكث كذلك سنين، وكان لا يؤثر على بلاد بني يربوع مبدى من مبادي العرب ولا ينزل في حيّ من أحياء بني تميم غيرهم، وكان أخلّاؤه من العرب كلّهم بني جعفر، وكانت إبله في بلاد بني ضبّة وبلاد بني سعد، وكذلك كان أبوه يفعل: لا يجاوز هذين الحيّين بإبله.
تزّوجه هند بنت النعمان
ولم يزل على حاله تلك حتى تزوّج هند [6] بنت النعمان بن المنذر، وهي يومئذ جارية حين بلغت أو كادت.
وخبره يذكر في تزويجها بعد هذا.
قال ابن حبيب وذكر هشام بن الكلبيّ عن إسحاق بن الجصّاص وحمّاد الرواية وأبي محمد بن السائب قال:
كان لعديّ بن زيد أخوان: أحدهما اسمه عمّار ولقبه أبيّ، والآخر اسمه عمرو ولقبه سميّ، وكان لهم أخ من أمهم يقال له عديّ بن حنظلة من طيء، وكان أبيّ يكون عند كسرى، وكانوا أهل بيت نصارى يكونون مع الأكاسرة، ولهم معهم أكل [7] وناحية، يقطعونهم القطائع ويجزلون صلاتهم.
جعل المنذر ابنه النعمان في حجر عديّ
وكان المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان بن المنذر في حجر عديّ بن زيد، فهم الذين أرضعوه وربّوه، وكان
[1] الحمالات: جمع حمالة بالفتح وهو الدية والغرامة التي يحملها قوم عن قوم.
[2] الثفروق: علاقة ما بين النواة والقمع من التمرة، وقال الأصمعيّ: الثفروق قمع البسرة والتمرة، ويكنى به عن القلة فيقال: ماله ثفروق أي ماله شيء، والذفروق بالذال لغة فيه. انظر «اللسان» في مادة «ثفرق» .
[3] كذا في أغلبّ النسخ. وفي ح «لم نشق به» .
[4] أي يخرج إلى البادية.
[5] كذا في جمع النسخ وجفير بفتح الجيم وكسر الفاء ذكره ياقوت في «معجمه» وقال: هو موضع في شعر حجر الملك آكل المرار.
وقال البكري في «معجم ما استعجم» : هو ماءة في ضرية، ومعلوم أن ضرية بنجد، أما جفير كزبير فقرية بالبحرين ذات رياض ومياه ومنازه.
[6] كذا في أ، م بالمنع من الصرف وفي ب، س، ح «هندا» بالصرف وكلاهما صحيح إلا أن المنع أكثر.
[7] الأكل: الرزق يقال: فلان ذو أكل إذا كان ذا رزق وحظ واسع في الدنيا.