للمنذر ابن آخر يقال له «الأسود» أمّه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرّباب،/ فأرضعه وربّاه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا [1] ينتسبون إلى لخم وكانوا أشرافا. وكان للمنذر سوى هذين من الولد عشرة، وكان ولده يقال لهم «الأشاهب» [2] من جمالهم، فذلك قول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
وبنو المنذر الأشاهب في الحي ... رة يمشون غدوة كالسيوف
سعي عديّ بن زيد في ولاية النعمان بن المنذر وسبب الخلاف بينه وبين عديّ بن مرينا
وكان النعمان من بينهم أحمر أبرش [3] قصيرا، وأمّه سلمى بنت وائل بن عطيّة الصائغ من أهل فدك [4] ، فلما احتضر المنذر وخلّف أولاده العشرة، وقيل: بل كانوا ثلاثة عشر، أوصى بهم إلى إياس بن قبيصة الطّائيّ، وملّكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه، فمكث عليها أشهرا وكسرى في طلب رجل يملّكه عليهم، وهو كسرى بن هرمز، فلم يجد أحدا يرضاه فضجر فقال: لأبعثنّ إلى الحيرة اثني عشر ألفا من الأساورة، ولأملّكنّ عليهم رجلا من الفرس، ولآمرنّهم أن ينزلوا على العرب في دورهم ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم، وكان عديّ بن زيد واقفا بين يديه، فأقبل عليه وقال: ويحك يا عديّ: من بقي من آل المنذر؟ وهل فيهم أحد فيه خير؟ فقال: نعم أيها الملك السعيد، إنّ في ولد المنذر لبقية وفيهم كلّهم خير، فقال: ابعث إليهم فأحضرهم، فبعث عديّ إليهم فأحضرهم وأنزلهم جميعا عنده، ويقال: بل شخص/ عديّ بن زيد إلى الحيرة حتى خاطبهم بما أراد [5] وأوصاهم، ثم قدم بهم على كسرى. قال: فلما نزلوا على عديّ بن زيد أرسل إلى النّعمان: لست أملّك غيرك فلا يوحشنّك ما أفضّل به إخوتك عليك من الكرامة فإني إنما أغترّهم بذلك، ثم كان يفضّل إخوته جميعا عليه في النّزل وإلاكرام والملازمة ويريهم تنقّصا للنّعمان وأنه غير طامع/ في تمام أمر على يده، وجعل يخلو بهم رجلا رجلا فيقول: إذا أدخلتكم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم وأجملها، وإذا دعا لكم بالطعام لتأكلوا فتباطئوا في الأكل وصغّروا اللّقم ونزّروا ما تأكلون، فإذا قال لكم: أتكفونني العرب؟ فقولوا: نعم، فإذا قال لكم: فإن شذّ أحدكم عن الطاعة وأفسد، أتكفوننيه؟ فقولوا: لا، إنّ بعضنا لا يقدر على بعض، ليهابكم ولا يطمع في تفرّقكم ويعلم أن للعرب منعة وبأسا فقبلوا منه، وخلا بالنعمان فقال له: البس ثياب السفر وادخل متقلّدا بسيفك، وإذا جلست للأكل فعظّم اللّقم وأسرع المضغ والبلع وزد في الأكل وتجوّع قبل ذلك، فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل من العرب خاصّة، ويرى أنه لا خير في العربيّ إذا لم يكن أكولا شرها، ولا سيّما إذا رأى غير طعامه وما لا عهد له بمثله، وإذا سألك هل تكفيني العرب؟
فقل: نعم، فإذا قال لك: فمن لي بإخوتك؟ فقل له: إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم لأعجز. قال: وخلا ابن مرينا بالأسود فسأله عما أوصاه به عديّ فأخبره، فقال: غشّك والصليب والمعموديّة وما نصحك، لئن أطعتني
[1] بنو مرينا: قوم من أهل الحيرة من قبائل العباد، وهم الذين ذكرهم امرؤ القيس في قوله:
فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا
وليس مرينا بكلمة عربية. (انظر «تاج العروس» و «اللسان» مادة مرن) .
[2] الشهبة في الأصل: بياض يخالطه سواد وقيل البياض الذي يغلب على السواد، وقد يقال على مطلق البياض كما قالوا سنة شهباء أي بيضاء لكثرة الثلج وعدم النبات. وفي «القاموس» «و الأشاهب بنو المنذر لجمالهم» قال شارحه السيد مرتضى: سموا بذلك لبياض وجوههم.
[3] الأبرش: الأرقط الأنمر وهو الذي يكون فيه بقعة بيضاء وأخرى أيّ لون كان.
[4] فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان.
[5] في ب، س: «أرادوا» والصواب ما أثبتناه.