فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 6876

لتخالفنّ كلّ ما أمرك به ولتملّكنّ، ولئن عصيتني ليملّكنّ النعمان ولا يغرّنك ما أراكه من الإكرام والتفضيل على النعمان، فإن ذلك دهاء فيه ومكر، وإن هذه المعدّيّة لا تخلو من مكر وحيلة، فقال له: إن عديا لم يألني نصحا وهو أعلم بكسرى منك، وإن خالفته أو حشته وأفسد عليّ/ وهو جاء بنا ووصفنا وإلى قوله يرجع كسرى، فلمّا أيس ابن مرينا من قبوله منه قال: ستعلم. ودعا بهم كسرى، فلما دخلوا عليه أعجبه جمالهم وكمالهم ورأى رجالا قلّما رأى مثلهم، فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم به عديّ، فجعل ينظر إلى النعمان من بينهم ويتأمّل أكله، فقال لعديّ بالفارسية: إن يكن في أحد منهم خير ففي هذا، فلما غسلوا أيديهم جعل يدعو بهم رجلا رجلا فيقول له: أتكفيني العرب؟ فيقول: نعم أكفيكها كلّها إلا إخوتي، حتى انتهى النعمان آخرهم فقال له: أتكفيني العرب؟ قال: نعم قال: كلّها؟ قال: نعم، قال: فكيف لي بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز، فملّكه وخلع عليه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب.

توعد عديّ بن مرينا لعديّ بن زيد بأن يهجوه ويبغيه الغوائل ما بقي

فلما خرج وقد ملّك قال ابن مرينا للأسود: دونك عقبى خلافك لي!. ثم أن عديا صنع طعاما في بيعة وأرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت فإنّ لي حاجة فأتى في ناس فتغدّوا في البيعة، فقال عديّ بن زيد لابن مرينا: يا عديّ، إنّ أحقّ من عرف الحقّ ثم لم يلم عليه من كان مثلك، وإني قد عرفت أنّ صاحبك الأسود بن المنذر كان أحبّ إليك أن يملّك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحبّ ألّا تحقد عليّ شيئا لو قدرت عليه ركبته، وأنا أحبّ أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي، فإنّ نصيبي في هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، وقام إلى البيعة فحلف ألّا يهجوه أبدا ولا يبغيه غائلة ولا يزوي عنه خيرا أبدا. فلما فرغ عديّ بن زيد، قام عديّ بن مرينا فحلف مثل يمينه ألّا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي. وخرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة، فقال/ عديّ بن مرينا لعديّ بن زيد:

/ ألا أبلغ عديّا عن عديّ ... فلا تجزع وإن رثّت [1] قواكا

هياكلنا تبرّ لغير فقر [2] ... لتحمد [3] أو يتمّ به غناكا [4]

فإن تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا

ندمت ندامة الكسعيّ [5] لمّا ... رأت عيناك ما صنعت يداكا

تدبير عديّ بن مرينا المكيدة لعديّ بن زيد

قال: ثم قال عديّ بن مرينا للأسود: أما إذا لم تظفر فلا تعجزنّ أن تطلب بثأرك من هذا المعدّيّ الذي فعل

[1] رثّت: ضعفت.

[2] كذا في م «فقر» بالراء المهملة. وفي باقي النسخ «فقد» بالدال المهملة.

[3] كذا في ح و «شعراء النصرانية» «لتحمد» بالتاء وفي باقي النسخ «ليحمد» بالياء.

[4] كذا في ح بالغين المعجمة. وفي باقي النسخ «عناكا» بالعين المهملة.

[5] الكسعيّ: نسبة إلى كسع: حيّ من قيس عيلان وقيل هم حيّ من اليمن رماة. والكسعيّ هذا يضرب به المثل في الندامة وهو رجل رام رمى بعد ما أظلم الليل عيرا فأصابه وظنّ أنه أخطأه فكسر قوسه ثم ندم من الغد حين نظر إلى العير مقتولا وسهمه فيه، فصار مثلا لكل نادم على فعل يفعله. وإياه عني الفرزدق بقوله:

ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت منّي مطلّقة نوار

(انظر «اللسان» مادة كسع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت