فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بك ما فعل، فقد كنت أخبرك أن معدّا لا ينام كيدها ومكرها وأمرتك أن تعصيه فخالفتني، قال: فما تريد؟ قال: أريد ألّا تأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها عليّ ففعل. وكان ابن مرينا كثير المال والضّيعة، فلم يكن في الدهر يوم يأتي إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر ابن مرينا، وكان إذا ذكر عديّ بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه وشيّع [1] ذلك بأن يقول: إن عديّ بن زيد فيه مكر وخديعة، والمعدّيّ لا يصلح إلا هكذا. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عديّا عند الملك بخير فقولوا: إنه لكذلك، ولكنه لا يسلم عليه/ أحد وإنه ليقول: إنّ الملك - يعني النعمان - عامله، وإنه هو ولّاه ما ولّاه، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه، فكتبوا كتابا على لسانه إلى قهرمان [2] له ثم دسّوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه وأتوا به النعمان فقرأه فاشتدّ غضبه، فأرسل إلى عديّ بن زيد:
حبس النعمان لعديّ بن زيد وما خاطب به عديّ النعمان من الشعر
عزمت عليك إلّا زرتني فإنّي قد اشتقت إلى رؤيتك، وعديّ يومئذ عند كسرى، فاستأذن كسرى فأذن له. فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عديّ يقول الشعر وهو في الحبس، فكان أوّل ما قاله وهو محبوس من الشعر:
ليت شعري عن الهمام ويأتي ... ك بخبر الأنباء عطف السّؤال
أين عنّا إخطارنا [3] المال والأنف ... س إذ ناهدوا [4] ليوم المحال [5]
ونضالي في جنبك الناس يرمو ... ن وأرمي وكلّنا غير آلي [6]
فأصيب الذي تريد بلا غشّ ... وأربي عليهم وأوالي
ليت أنّي أخذت حتفي بكفّيّ ... ولم ألق ميتة الأقتال [7]
محلوا [8] محلهم لصرعتنا العا ... م فقد أوقعوا الرحا بالثّفال [9]
/و هي قصيدة طويلة. قالوا وقال أيضا وهو محبوس:
أرقت لمكفهرّ بات فيه ... بوارق يرتقين رؤوس بشيب
[1] شيّع: اتبع.
[2] القهرمان: أمين الملك وخاصته فارسيّ معرّب، ويطلق في لغة الفرس على القائم بأمور الرجل كالخازن والوكيل.
[3] إخطار المال والنفس: بذلهما وجعلهما خطرا. قال صاحب «اللسان» : والمخطر: الذي يجعل نفسه خطرا لقرن فيبارزه ويقاتله، وساق في الاستشهاد على هذا المعنى بيت عديّ هذا «أين عنا إخطارنا» البيت.
[4] المناهدة في الحرب: المناهضة. وفي المحكم: المناهدة في الحرب: أن ينهد بعض إلى بعض وهو في معنى النهوض إلا أن النهوض قيام عن قعود، والنهود: نهوض على كل حال. (انظر «المخصص» لابن سيده في ج 6 و «اللسان» مادة نهد) .
[5] المحال: الكيد أو المكر.
[6] أي غير مقصر.
[7] الأقتال: جمع قتل (بالكسر) وهو العدوّ.
[8] يقال: محل فلان بصاحبه (مثلثة الحاء) إذا سعى به إلى السلطان.
[9] الثفال بالكسر: الجلد الذي يبسط تحت رحا اليد ليقي الطحين من التراب، وقد يطلق الثفال على الحجر الأسفل من الرحا.