فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 6876

جائزة وأكرمه، وتوثّق منه ألّا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه. فرجع الرسول إلى كسرى، وقال: إنّي وجدت عديّا قد مات قبل أن أدخل عليه. وندم النعمان على قتل عديّ وعرف أنه احتيل عليه في أمره، واجترأ عليه وهابهم هيبة شديدة.

مدح النعمان لدى كسرى زيد بن عديّ فاتخذه كاتبا

ثم إنه خرج إلى صيده ذات يوم فلقي ابنا لعديّ يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال له: من أنت؟

فقال: أنا زيد بن عديّ بن زيد، فكلّمه فإذا غلام ظريف، ففرح به فرحا شديدا وقرّبه وأعطاه ووصله واعتذر إليه من أمر أبيه وجهّزه [1] ، ثم كتب إلى كسرى: إنّ عديّا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبّه، فأصابه ما لا بدّ منه وانقطعت مدّته وانقضى أجله، ولم يصب به أحد أشدّ من مصيبتي، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل اللّه له منه خلفا لما عظّم اللّه من ملكه وشأنه، وقد بلغ ابن له ليس بدونه، رأيته يصلح لخدمة الملك فسرّحته إليه، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل وليصرف عمّه عن ذلك إلى عمل أخر. وكان هو/ الذي يلي/ المكاتبة عن الملك إلى ملوك العرب في أمورها وفي خواصّ أمور الملك. وكانت له من العرب وظيفة موظّفة في كل سنة: مهران أشقران يجعلان له هلاما [2] ، والكمأة الرّطبة في حينها واليابسة والأقط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عديّ يلي ذلك له وكان هذا عمل عديّ. فلما وقع زيد بن عديّ عند الملك هذا الموقع سأله كسرى عن النعمان، فأحسن الثناء عليه. ومكث على ذلك سنوات على الأمر الذي كان أبوه عليه. وأعجب به كسرى، فكان يكثر الدخول عليه والخدمة له.

كيد زيد بن عديّ للنعمان عند كسرى حتى غضب عليه فقتله

وكانت لملوك العجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب ولا يظنونها عندهم. ثم إنه بدا للملك في طلب تلك الصفة، وأمر فكتب بها إلى النواحي، ودخل إليه زيد بن عديّ وهو في ذلك القول، فخاطبه فيما دخل إليه فيه، ثم قال: إني رأيت الملك قد كتب في نسوة يطلبن له وقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عارفا، وعند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، قال: فاكتب فيهنّ، قال: أيها الملك، إنّ شرّ شيء في العرب وفي النعمان خاصّة أنهم يتكرّمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهنّ عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهنّ، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك، فابعثني وابعث معي رجلا من ثقاتك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبّه، فبعث معه رجلا جلدا فهما، فخرج به زيد، فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة، فلما دخل عليه أعظم الملك وقال: إنه قد احتاج إلى نساء لنفسه وولده وأهل بيته، وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك، فقال: ما هؤلاء النّسوة؟ / فقال: هذه صفتهنّ قد جئنا بها. وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر بن أبي شمر الغسّانيّ، فكتب إلى أنوشروان بصفتها، وقال: إني قد وجّهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق، نقيّة اللون والثغر، بيضاء قمراء

[1] جهزه: أعدّ له معدّات السفر.

[2] كذا في جميع الأصول و «شعراء النصرانية» . والهلام كغراب: مرق السّكباج المبرّد المصفّى من الدهن: والسكباج: لحم يطبخ بخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت