فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فلما رآه حاجبه قال: ويحك، بلغت بك العلّة ما أرى؟ ودخل وأعلم صاحبه فأذن له، فلما دخل عليه إذا سالم بن عبد اللّه عنده، فجعل يزيد في الرّعدة ويقارب الخطو، فجلس وما يقدر أن يستقلّ، فقال عبد اللّه: ظلمناك يا أشعب في غضبنا عليك، فقال له سالم: ما لك ويلك! ألم تكن عندي آنفا وأكلت هريسة؟ فقال له: وأيّ أكل ترى بي؟
قال: ويلك! ألم أقل لك كيت وكيت وتقل لي كيت وكيت؟ قال له: شبّه لك، قال: لا حول ولا قوة إلا باللّه، واللّه إني لأظنّ الشيطان يتشبّه بك. ويلك! أجادّ أنت؟ قال: عليّ وعليّ إن كنت خرجت منذ شهر [1] . فقال له عبد اللّه:
اعزب ويحك أتبهته، لا أمّ لك! قال: ما قلت إلا حقّا، قال: بحياتي اصدقني وأنت آمن من غضبي، قال:
لا وحياتك لقد صدق. ثم حدّثه بالقصة فضحك حتى استلقى على قفاه.
ابنه يذكر بعض طرائف أبيه
[2] أخبرني رضوان بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم، عن إبراهيم بن المهديّ:
أنّ الرشيد لمّا ولّاه دمشق بعث إليه عبد اللّه بن أشعب، وكان يقدم عليه من الحجاز إذا أراد أن يطرب.
/ قال إبراهيم: وكان يحدّثني من حديث أبيه بالطرائف:
عادلته [3] يوما وأنا خارج من دمشق في قبّة على بغل لألهو بحديثه، فأصابنا في الطريق برد شديد فدعوت بدوّاج سمّور [4] لألبسه، فأتيت به فلما لبسته أقبلت على ابن أشعب فقلت: حدّثني بشيء من طمع أبيك. فقال لي:
ما لك ولأبي، ها أنا إذا دعوت بالدّوّاج فما شككت واللّه في أنك إنما جئت به لي، فضحكت من قوله، ودعوت بغيره فلبسته وأعطيته إياه، ثم قلت له:
ألأبيك ولد غيرك؟ فقال: كثير، فقلت: عشرة؟ قال: أكثر، قلت: فخمسون؟ قال: أكثر كثير، قلت: مائة؟
قال: دع المئين وخذ الألوف، فقلت: ويلك! أيّ شيء تقوله؟ أشعب أبوك ليس بينك وبينه أب، فكيف يكون له ألوف من الولد؟ فضحك ثم قال: لي في هذا خبر ظريف، فقلت له: حدّثني به، فقال:
كان أبي منقطعا إلى سكينة بنت الحسين، وكانت متزوجة بزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان وكانت محبّة له، فكان لا يستقر معها، تقول له: أريد الحج فيخرج معها، فإذا أفضوا إلى مكة تقول: أريد الرجوع إلى المدينة، فإذا عاد إلى المدينة، قالت: أريد العمرة، فهو معها في سفر لا ينقضي. قال عبد اللّه: فحدّثني أبي قال:
كانت قد حلّفته بما لا كفّارة له ألا يتزوج عليها ولا يتسرّى ولا يلمّ بنسائه وجواريه إلا بإذنها، وحجّ الخليفة في سنة من السنين فقال لها: قد حج الخليفة ولا بدّ لي من لقائه، قالت: فاحلف بأنك لا تدخل الطائف، ولا تلمّ بجواريك على وجه ولا سبب، فحلف لها بما رضيت به من الأيمان على ذلك، ثم قالت له: احلف بالطلاق، فقال: لا أفعل، ولكن ابعثي معي بثقتك، فدعتني وأعطتني ثلاثين دينارا وقالت لي: اخرج معه، وحلّفتني/ بطلاق بنت وردان زوجتي ألا أطلق له الخروج إلى الطائف بوجه ولا سبب، فحلفت لها بما أثلج صدرها، فأذنت له فخرج وخرجت معه. فلما حاذينا الطائف قال لي: يا أشعب، أنت تعرفني وتعرف صنائعي عندك، وهذه ثلاثمائة دينار،
[1] ف: «إن كنت رأيتك منذ شهر» .
[2] سقط هذا الخبر من ب، وأثبتناه من ف، ما، مد.
[3] عادله: ركب معه.
[4] الدواج: اللحاف الّذي يلبس. والسمور: حيوان بري يتخذ من جلده فراء ثمينة للينها وخفتها وإدفائها.