فهرس الكتاب

الصفحة 4829 من 6876

خذها بارك اللّه لك فيها وأذن لي ألمّ بجواريّ، فلما سمعتها ذهب عقلي ثم قلت: يا سيدي، هي سكينة، فاللّه اللّه فيّ. فقال: أو تعلم سكينة الغيب! فلم يزل بي حتى أخذتها وأذنت له، فمضى وبات عند جواريه. فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا، فلبست حلّة وشي كانت لزيد قيمتها ألف دينار، وركبت فرسه وجئت إلى النساء فسلّمت فرددن، ونسبنني فانتسبت نسب زيد، فحادثنني وأنسن بي. وأقبل رجال الحيّ، وكلما جاء رجل سأل عن نسبي فخبّر به هابني وسلّم عليّ وعظّمني وانصرف، إلى أن أقبل شيخ كبير منكر مبطون، فلما خبّر بي وبنسبي شال حاجبيه عن عينه، ثم نظر إليّ وقال: وأبي ما هذه خلقة قرشيّ ولا شمائله، وما هو إلا عبد لهم نادّ، وعلمت أنه يريد شرّا، فركبت الفرس ثم مضيت، ولحقني فرماني بسهم فما أخطأ قربوس السرج، وما شككت أنه يلحقني بآخر يقتلني فسلحت - يعلم اللّه - في ثيابي فلوّثها ونفذ إلى الحلّة فصيّرها شهرة [1] ، وأتيت رحل زيد بن عمرو فجلست أغسل الحلّة وأجففها، وأقبل زيد بن عمرو، فرأى ما لحق الحلّة والسرج، فقال لي: ما القصة؟

ويلك! فقلت: يا سيدي الصدق أنجى، وحدثته الحديث فاغتاظ ثم قال لي: ألم يكفك أن تلبس حلتي وتصنع بها ما صنعت، وتركب فرسي وتجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي وفضحتني، وجعلتني عند العرب ولّاجا جمّاشا [2] ، وجرى عليك ذلّ نسب إليّ، أنا نفيّ من أبي ومنسوب إلى أبيك إن لم أسؤك وأبلغ في ذلك.

ثم لقي الخليفة وعاد ودخلنا إلى سكينة، فسألته عن خبره كله فخبرها حتى انتهى إلى ذكر/ جواريه، فقالت:

إيه وما كان من خبرك في طريقك؟ هل مضيت إلى جواريك بالطائف؟ فقال لها: لا أدري، سلي ثقتك. فدعتني فسألتني، وبدأت فحلفت لها بكل يمين محرجة أنه ما مرّ بالطائف ولا دخلها ولا فارقني، فقال لها: اليمين الّتي حلف بها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف وبتّ عند جواريّ وغسّلتهن [3] جميعا، وأخذ مني ثلاثمائة دينار، وفعل كذا وكذا، وحدّثها الحديث كله وأراها الحلّة والسرج، فقالت لي: أفعلتها يا أشعب! أنا نفيّة من أبي إن أنفقتها إلا فيما يسوءك، ثم أمرت بكبس [4] منزلي وإحضارها الدنانير فأحضرت، فاشترت بها خشبا وبيضا وسرجينا، وعملت من الخشب بيتا فحبستني فيه وحلفت ألا أخرج منه ولا أفارقه حتى أحضن البيض كلّه إلى أن ينقب، فمكثت أربعين يوما أحضن لها البيض حتى نقب، وخرج منه فراريج كثيرة فربّتهن وتناسلن فكنّ بالمدينة يسمّين بنات أشعب ونسل أشعب، فهؤلاء إلى الآن بالمدينة نسل يزيد على الألوف، كلهن أهلي وأقاربي.

قال إبراهيم: فضحكت واللّه من قوله ضحكا ما أذكر أنّي ضحكت مثله قط ووصلته، ولم يزل عندي زمانا حتى خرج إلى المدينة وبلغني أنه مات هناك [5] .

يتسور البستان طلبا للطعام

أخبرني أحمد، قال: حدّثنا مصعب بن عبد اللّه بن عثمان، قال:

قال رجل/ لأشعب: إنّ سالم بن عبد اللّه قد مضى إلى بستان فلان ومعه طعام كثير، فبادر حتى لحقه فأغلق

[1] الشهرة: ظهور الشيء في شنعة.

[2] الولاج: الكثير الدخول. والجماش: المتعرض للنساء.

[3] غسلتهن: جامعتهن.

[4] كبس دار فلان: هجم عليها فجأة وأحاط بها.

[5] انتهى الخبر المشار إلى أوله في الحاشية رقم 3 ص 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت