فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فقالوا: هذا بارد ولا حركة فيه، ولسنا نرضى، فلما رأيت دفعهم إياي وخفت ذهاب ما جعلوه لي رجعت فقلت: يا أبا عمر، آخر، فقال: ما لي ولك؟ فلم أملّكه كلامه حتى غنيت، فقال: ما أرى بأسا، فخرجت إليهم فأعلمتهم فقالوا: وأي شيء غنيته؟ فقلت: غنّيته قوله:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النّزالا
فقالوا: ليس هذا بشيء، فرجعت إليه فقال: مه، قلت: وآخر، فلم أملّكه أمره حتى غنيت:
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي: ... ما ذا لقيت من الهوى ولقينا [1]
/فقال: نهلا نهلا [2] ، فقلت: لا واللّه إلا بذاك السّداك، وفيه تمر عجوة من صدقة عمر فقال: هو لك، فخرجت به عليهم وأنا أخطر فقالوا: مه، فقلت: غنّيت الشيخ:
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ...
فطرب وفرض لي فأعطاني هذا، وكذبتهم، واللّه ما أعطانيه إلا استكفافا حتى صمتّ.
/ قال ابن أبي سعد: السّداك: الزّبيل الكبير. وفرض لي أي نقّطني، يعني ما يهبه الناس للمغنّين ويسمّونه النّقط.
كانت له ألحان مطربة وشهد له معبد
حدّثني الجوهريّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني قعنب بن المحرز، عن الأصمعيّ، قال:
حدّثني جعفر بن سليمان، قال:
قدم أشعب أيام أبي جعفر، فأطاف به فتيان بني هاشم وسألوه أن يغنّيهم فغنّى فإذا ألحانه مطربة [3] وحلقه على حاله، فقال له جعفر بن المنصور: لمن هذا الشعر والغناء:
لمن طلل بذات الجي ... ش أمسى دارسا خلقا؟
فقال له: أخذت الغناء عن معبد، وهو للدّلال، ولقد كنت آخذ اللحن عن معبد فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب فإنه أحسن تأدية له مني.
أشعب يلازم جريرا ويغنيه في شعره
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مصعب، قال:
قدم جرير المدينة، فاجتمع إليه الناس يستنشدونه ويسألونه عن شعره، فينشدهم ويأخذون عنه وينصرفون، ولزمه أشعب من بينهم فلم يفارقه، فقال له جرير: أراك أطولهم جلوسا وأكثرهم سؤالا، وإني لأظنّك ألأمهم حسبا، فقال له: يا أبا حزرة، أنا واللّه أنفعهم لك، قال: وكيف ذلك؟ قال: أنا آخذ شعرك فأحسّنه وأجوّده، قال:
[1] البيت لجرير في شرح ديوان جرير 578 ط الصاوي، وقبله:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا
[2] ف، مد: «مهلا مهلا» . والنهل: ما أكل من الطعام.
[3] ف: «ألحانه طربة» .