لو أنّها قبّة الإسلام ما ساوت ألف درهم. فقيل له: إن معها جبّة وشي حشوها قزّ قيمتها عشرون ألف دينار، فقال:
أمّه زانية لو أنّ حشوها زغب أجنحة الملائكة ما ساوت عشرين دينارا.
أشعب ورجل من ولد عامر بن لؤي
أخبرني عمّي، قال: حدّثني أبو أيوب المدائنيّ، قال: حدّثني مصعب بن عبد اللّه الزّبيري، عن أبيه، قال:
حدّثني أشعب، قال:
ولي المدينة رجل من ولد عامر بن لؤيّ، وكان أبخل النّاس وأنكدهم [1] ، وأغراه اللّه بي يطلبني في ليله ونهاره، فإن هربت منه هجم على منزلي بالشّرط، وإن كنت في موضع بعث إلى من أكون معه أو عنده يطلبني منه، فيطالبني بأن أحدّثه وأضحكه، ثم لا أسكت ولا ينام [2] ، ولا يطعمني ولا يعطيني شيئا، فلقيت منه جهدا عظيما وبلاء شديدا. وحضر الحجّ، فقال لي: يا أشعب، كن معي، فقلت: بأبي أنت وأمي، أنا عليل، وليست لي نية في الحج. فقال: عليه وعليه، وقال: إن الكعبة بيت النّار، لئن لم تخرج معي لأودعنّك الحبس حتى أقدم، فخرجت معه مكرها، فلما نزلنا المنزل أظهر أنّه صائم ونام حتى تشاغلت، ثم أكل ما في سفرته، وأمر غلامه أن يطعمني رغيفين بملح، فجئت وعندي أنّه صائم، ولم أزل أنتظر المغرب/ أتوقّع إفطاره، فلما صلّيت المغرب قلت لغلامه:
ما ينتظر بالأكل؟ قال: قد أكل منذ زمان، قلت: أو لم يكن صائما؟ قال: لا، قلت: أفأطوي أنا؟ قال: قد أعدّ لك ما تأكله فكل، وأخرج إليّ الرّغيفين والملح فأكلتهما وبتّ ميّتا جوعا، وأصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل، فقال لغلامه: ابتع لنا لحما بدرهم، فابتاعه، فقال: كبّب لي قطعا، ففعل، فأكله ونصب القدر، فلما اغبرّت قال: اغرف لي منها قطعا، ففعل، فأكلها، ثم قال: اطرح فيها دقّة وأطعمني منها، ففعل، ثم قال: ألق توابلها وأطعمني منها، ففعل؛ وأنا جالس أنظر إليه لا يدعوني، فلما استوفى اللّحم كلّه قال: يا غلام، أطعم أشعب، ورمى إليّ برغيفين، فجئت إلى القدر وإذا ليس فيها إلا مرق وعظام، فأكلت الرّغيفين، وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة، فأخذ منها حفنة فأكلها، وبقي في كفّه كفّ لوز بقشره، ولم يكن له فيه حيلة، فرمى به إليّ وقال: كل هذا يا أشعب، فذهبت أكسر واحدة منها فإذا بضرسي قد انكسرت منه قطعة فسقطت/ بين يديّ، وتباعدت أطلب حجرا أكسره به، فوجدته، فضربت له لوزة فطفرت - يعلم اللّه - مقدار رمية حجر، وعدوت في طلبها، فبينما أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب - يعني ابن ثابت وإخوته - يلبّون بتلك الحلوق الجهوريّة، فصحت بهم: الغوث الغوث العياذ باللّه وبكم يا آل الزّبير، الحقوني أدركوني، فركضوا إليّ، فلما رأوني قالوا: أشعب، ما لك ويلك! قلت: خذوني معكم تخلّصوني من الموت، فحملوني معهم، فجعلت أرفرف بيدي كما يفعل الفرخ إذا طلب الزّقّ من أبويه، فقالوا: ما لك ويلك! قلت: ليس هذا وقت الحديث، زقّوني مما معكم، فقد متّ ضرّا وجوعا منذ ثلاث، قال: فأطعموني حتى تراجعت نفسي، وحملوني معهم في محمل، ثم قالوا: أخبرنا بقصّتك، فحدّثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة، فجعلوا يضحكون/ ويصفّقون وقالوا: ويلك! من أين وقعت على هذا؟ هذا من أبخل خلق اللّه وأدنئهم نفسا، فحلفت بالطّلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان، فلم أدخلها حتى عزل.
[1] مد: «و أنكرهم» .
[2] ف: «و لا أنام» .