فهرس الكتاب

الصفحة 5452 من 6876

عليهما غلام شخت [1] رقيق الأدمة، في ثوبين ممصرين، فقصد نحونا، فلم يسلم، وقال: أيكم الفرزدق؟

فقلت [2] مخافة أن يكون من قريش: أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها؟ فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا، فقال له الفرزدق: من أنت لا أمّ لك، قال: رجل من الأنصار، ثم من بني النجار، ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، وتزعمه مضر، وقد قال شاعرنا حسان بن ثابت شعرا، فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، كما قيل، وإلا فأنت منتحل كذّاب، ثم أنشده:

ألم تسأل الرّبع الجديد التكلّما

حتى بلغ إلى قوله:

وأبقى لنا مرّ الحروب ورزؤها ... سيوفا وأدراعا وجمّا عرمرما [3]

/متى ما تردنا من معدّ عصابة ... وغسان نمنع حوضنا أن يهدّما

/ لنا حاضر فعم وباد كأنه ... شماريخ رضوى عزة وتكرّما [4]

أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخنا ... وقائلنا بالعرف إلا تكلّما [5]

بكل فتى عاري الأشاجع لاحه ... قراع الكماة يرشح المسك والدّما [6]

ولدنا بني العنقاء وابني محرّق ... فأكرم بذا خالا وأكرم بذا ابنما [7]

يسوّد ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان معدما [8]

وإنا لنقري الضيف إن جاء طارقا ... من الشحم ما أمسى صحيحا مسلّما [9]

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما [10]

فأنشده القصيدة، وهي نيّف وثلاثون بيتا، وقال له: قد أجّلتك في جوابها حولا، فانصرف الفرزدق مغضبا، يسحب رداءه، وما يدري أيّة طرقه [11] حتى خرج من المسجد، فأقبل على كثير، فقال له: قاتل اللّه الأنصار [12] ما أفصح لهجتهم، وأوضح حجّتهم، وأجود شعرهم، فلم نزل في حديث الأنصار والفرزدق بقية يومنا، حتى إذا كان/ من الغد خرجت من منزلي إلى المسجد الذي كنت فيه بالأمس، فأتى كثيّر، فجلس معي، وإنّا لنتذاكر الفرزدق،

[1] الشخت: الضامر النحيف خلقة، وفي بعض النسخ: «شخت اللون» وكان الأنسب أن يقال: «شخت الجسم» .

[2] التاء من قلت: ضمير راوي الخبر، وفي هذا الخبر بعض الالتواء، ولكنه هكذا في الأصول.

[3] جما عرمرما: جيشا كثير العدد. وفي ف:

«جمعا عرمرما»

[4] فعم: ممتلى ء، والمراد مفاخر.

[5] هذا البيت تكملة من «المختار» .

[6] الأشاجع: أصول الأصابع، أو عروق ظاهر الكف، ويكنى بعريها عن كثرة قبضها على السلاح، لاحه: أهزله وأضمره، ويكنى بقوله:

«يرشح المسك والدم»

عن أنه مترف وقت السلم، شجاع وقت الحرب.

[7] ولدنا: ولدت أوائلنا، أبنما - بفتح النون - تمييز، وهو أحد أسمين يتبع ما قبل آخره في الأعراب آخره، وهما «امرؤ وأبنم» .

[8] في ب: «منا» بدل: «فينا» .

[9] يريد أنه إذا قرى لا يعمد إلى الهزيل أو السقيم من نوقه فيذبحه.

[10] البيت مشهور، وله قصة طويلة بين الخنساء وحسان والنابغة، ارجع إليها في كتب الأدب.

[11] كذا في النسخ والمقام يستدعي زيادة كلمة «يسلك» بعد «أية طرقه» وفي «المختار» : «يذهب» .

[12] في بعض النسخ: «قاتل اللّه الأنصاري، ما أفصح لهجته ... إلخ، بضمير الواحد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت