فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونقول: ليت شعري ما صنع؟ إذ طلع علينا في حلّة أفواف [1] ، قد أرخى غديرته، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال: ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه، وشتمناه، فقال: قاتله اللّه: ما منيت بمثله، ولا سمعت بمثل شعره، فارقته، وأتيت منزلي، فأقبلت أصعّد وأصوّب في كل فن من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادى بالفجر رحلت ناقتي، وأخذت بزمامها حتى أتيت ريّانا [2] ، وهو جبل بالمدينة، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أخاكم، يعني شيطانه، فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي وتوسدت ذراعها، فما عتمت [3] حتى قلت مائة بيت من الشعر وثلاثة عشر بيتا، فبينا هو ينشد إذ طلع الأنصاري، حتى إذا انتهى إلينا سلم علينا، ثم قال:
إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقّتّه لك، ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك: إيش [4] صنعت؟ فقال:
اجلس، وأنشده قوله:
عزفت بأعشاش وما كنت تعزف ... وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
ولجّ بك الهجران حتى كأنما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
في رواية ابن حبيب: تيلف [5] حتى بلغ إلى قوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أو مأنا إلى النّاس وقّفوا
/ وأنشدها الفرزدق، حتى بلغ إلى آخرها، فقام الأنصاري كئيبا، فلما توارى طلع أبوه أبو بكر بن خزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا عليه، وقالوا: يا أبا فراس، قد عرفت حالنا ومكاننا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا ربما تعرض لك، فنسألك بحق اللّه وحق رسوله لما حفظت فينا وصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ووهبتنا له، ولم تفضحنا.
قال محمد بن إبراهيم: فأقبلت عليه أكلمه، فلما أكثرنا عليه، قال: اذهبوا، فقد وهبتكم لهذا القرشي.
[قال سليمان بن عبد الملك للفرزدق: أنشدني أجود شعر عملته، فأنشده:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف [6]
فقال: زدني: فأنشده:
ثلاث واثنتان فتلك خمس ... وواحدة تميل إلى الشّمام [7]
فبتن بجانبيّ مصرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام [8]
[1] أفواف: ثياب رقاق موشاة مخططة.
[2] هكذا في ب «ريانا» والصواب «ريان» بالمنع من الصرف، لأنه من الري وربما كان من الرين، فتكون نونه أصلية، وحينئذ فلا مانع من صرفه، وفي «المختار» : «ذبابا» بدل «ريانا» .
[3] ما عتمت: ما أبطأت.
[4] إيش: لفظ منحوت من «أي شي ء» وهو عربي فصيح.
[5] وكذا في «الديوان» : 551 و «النقائض» وهي لهجة تميمية في تألف.
[6] تقدمت الأبيات التي تبتدىء بهذا المصراع.
[7] يريد بهذا العدد: من عبث بهن من النساء، والشمام: القبل والترشف وما إليهما.
[8] كنى بفض أغلاق الختام عن المضاجعة والمواقعة ...