سقيت أبا المصرّع [1] إذ أتاني ... وذو الرّعثات منتصب يصيح
شرابا يهرب الذّبّان منه ... ويلثغ حين يشربه الفصيح
قال: والرّعث: الاسترسال والتساقط. فكأنّ اسم القرطة اشتقّ منه.
كان أشدّ الناس تبرما بالناس:
أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثنا محمد [2] بن بدر العجليّ قال: سمعت الأصمعيّ يذكر أن بشّارا كان من أشدّ الناس تبرّما بالناس، وكان يقول: الحمد للّه الذي ذهب ببصري؛ فقيل له: ولم يا أبا معاذ؟
قال: لئلّا أرى من أبغض. وكان يلبس قميصا له لبنتان [3] ، فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، فبذلك سمّي المرعّث.
صفاته:
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قال حدّثنا قعنب بن محرز عن الأصمعيّ قال:
كان بشّار ضخما، عظيم الخلق والوجه، مجدورا، طويلا، جاحظ المقلتين قد تغشّاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى وأفظعه [4] منظرا، وكان إذا أراد أن ينشد صفّق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب.
ولد أعمى وهجى بذلك وشعره في العمى:
أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبي المدينيّ عن محمد بن سلّام قال:
ولد بشّار أعمى، وهو الأكمه. وقال في تصداق ذلك أبو هشام الباهليّ يهجوه:
وعبدي فقا [5] عينيك في الرّحم أيره ... فجئت ولم تعلم لعينيك فاقيا
أأمّك يا بشّار كانت عفيفة؟ ... عليّ إذا مشي إلى البيت حافيا
قال: ولم يزل بشّار منذ قال فيه هذين البيتين منكسرا.
/ أخبرنا هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال:
ولد بشّار أعمى فما نظر إلى الدنيا قطّ، وكان يشبّه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما وقد أنشد قوله:
كأنّ مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
[1] كذا في أكثر النسخ، وفيء، ط: «المطوّح» ، وفي ح: «المطرّح» .
[2] هكذا وقع هذا الاسم هنا باتفاق جميع النسخ: «محمد بن بدر العجليّ» ، وقد تقدّم في ص 137 من هذا الجزء باتفاق النسخ جميعها أيضا: «محمد بن زيد العجلي» مع اتحاد رجال السند في الموضعين. فلينظر.
[3] اللبنة: بنيقة القميص وهي زيقه الذي يفتح في النحر.
[4] كذا في جميع الأصول بإفراد الضمير. وهو استعمال عربيّ فصيح، يقال: أحسن الناس خلقا وأحسنه وجها، والمراد أحسنهم، وهو كثير من أفصح الكلام. انظر «اللسان» مادة «حنا» .
[5] فقأ: قلع، والأصل فيه الهمز فسهل.