فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 6876

الصدر متبرّما بالناس، فكان يقول: اللهمّ إني [1] قد تبرّمت بنفسي وبالناس جميعا، اللهم فأرحني منهم. وكان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسّخونها وينتنون ريحها، فاتخذ قميصا له جيبان وحلف ألّا يعيرهم ثوبا من ثيابه، فكانوا يأخذونها بغير إذنه؛ فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر رائحته فيقول [2] إذا وجد رائحة كريهة من ثوبه: «أينما أتوجّه ألق سعدا» [3] . فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على نتنها ووسخها، فيقال له: ما هذا يا أبا معاذ؟

فيقول: هذه ثمرة صلة الرّحم. قال: وكان يقول الشّعر وهو صغير، فإذا هجا قوما جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا، فكانت أمّه تقول: كم تضرب هذا الصبيّ الضرير، أما ترحمه! فيقول: بلى واللّه إني لأرحمه ولكنه يتعرّض للناس فيشكونه إليّ؛ فسمعه بشّار فطمع فيه فقال له: يا أبت إنّ هذا الذي يشكونه منّي إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أليس اللّه يقول: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) *

[4] . فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ما قاله بشّار؛ فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشّار.

أعطاه فتى مائتي دينار لشعره في مطاولة النساء:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن عثمان الكريزيّ قال حدّثني بعض الشعراء قال:

/ أتيت بشّارا الأعمى وبين يديه مائتا دينار [5] ، فقال لي: خذ منها ما شئت، أو تدري ما سببها؟ قلت: لا؛ قال: جاءني فتى فقال لي: أنت بشّار؟ فقلت: نعم؛ فقال: إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار وذلك أني عشقت امرأة فجئت إليها فكلّمتها فلم تلتفت إليّ، فهممت أن أتركها فذكرت قولك:

لا يؤيسنّك من مخبّأة ... قول تغلّظه وإن جرحا

عسر النّساء إلى مياسرة ... والصّعب يمكن بعد ما جمحا

/ فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي.

عاب الأخفش شعره ثم صار بعد ذلك يستشهد به لما بلغه أنه همّ بهجوه:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن أبي حاتم قال:

كان الأخفش طعن على بشّار في قوله:

فالآن أقصر عن سميّة باطلي ... وأشار بالوجلى عليّ مشير

وفي قوله:

على الغزلى منّي السّلام فربّما ... لهوت بها في ظلّ مرءومة [6] زهر

[1] كذا في ح وفي باقي الأصول: «إني كنت قد تبرمت» .

[2] كذا بالأصول واقتران جواب الشرط الصالح للشرطيّة بالفاء خلاف الأصل (انظر «شرح الأشموني» ج 3 ص 60 طبع بولاق) .

[3] هذا مثل يضرب لمن يلقى سوء المعاشرة في كلّ مكان، وأصله أن الأشموني بن قريع كان سيّد قومه فرأى منهم جفوة فرحل عنهم إلى آخرين فرآهم يصنعون بساداتهم مثل ذلك فقال هذا القول.

[4] سورة النور آية: 61.

[5] فيء، أ، م: «مائتا درهم» ، وكذا فيما يأتي.

[6] مرءومة: محبوبة مألوفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت