وجدته فيه مما جمعته ها هنا - سوى ما لم يذكر يونس طريقته - تسعة عشر لحنا: منها في الثقيل الأوّل لحنان، وفي خفيف الثقيل لحنان، وفي الثّقيل الثاني ستة، وفي الرّمل سبعة، وفي خفيف الرّمل لحنان.
وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من ولد الأشعث بن قيس حجّت فهويها وراسلها، فواصلته ودخل إليها وتحدّث معها وخطبها، فقالت: أمّا ها هنا فلا سبيل إلى ذلك، ولكن إن قدمت إلى بلدي خاطبا تزوّجتك، فلم يفعل.
أخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن الحسن المخزوميّ عن محرز بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه قال:/ سمعت بديحا يقول: حجّت بنت محمد بن الأشعث الكنديّة، فراسلها عمر بن أبي ربيعة ووعدها أن يتلقّاها مساء الغد، وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشدا ينشد - إن لم يمكنه أن يرسل رسولا - يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها. قال بديح: فلم أشعر به/ إلا متلثّما، فقال لي: يا بديح، ائت بنت محمد بن الأشعث فأخبرها أنّي قد جئت لموعدها، فأبيت أن أذهب وقلت: مثلي لا يعين على مثل هذا.
فغيّب بغلته عنّي ثم جاءني فقال لي: قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق [1] الحاجّ. فذهبت فنشدتها، فخرجت عليّ بنت محمد بن الأشعث وقد فهمت الآية، فأتته لموعده، وذلك قوله:
وآية ذلك أن تسمعي ... إذا جئتكم ناشدا ينشد
قال بديح: فلمّا رأيتها مقبلة عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة، فقلت له: يا عمر، لقد صدقت الّتي قالت لك:
فهذا سحرك النّسوا ... ن، قد خبّرنني خبرك [2]
قد سحرتني وأنا رجل! فكيف برقّة قلوب النساء وضعف رأيهنّ! وما آمنك بعدها، ولو دخلت الطّواف ظننت أنك دخلته لبليّة. قال: وحدّثها بحديثي، فما زالا ليلتهما يفصلان حديثهما بالضحك منّي.
قال الزّبير: فحدّثني أبو الهندام [3] مولى الرّبعيّين عن أبي الحارث بن عبد اللّه الرّبعيّ قال:/ لقي ابن أبي عتيق بديحا فقال له: يا بديح، أخدعك [4] ابن أبي ربيعة أنه قرشيّ؟ فقال بديح: نعم! وقد أخطأه ذلك عند القسريّ [5] وصواحبه. فقال ابن أبي عتيق: ويحك يا بديح! أنّ من تغابى لك ليغبى عنك، فقد ضمّت عليه قبضتك إن كان لك ذهن، أما رأيت لمن كانت العاقبة؟ واللّه ما بالى ابن أبي ربيعة أوقع عليهنّ أم وقعن عليه!.
[1] في ت، ح: «رقاق» .
[2] يجوز أن يقرأ هذا البيت هكذا:
فهذا سحرك، النسوا ... ن قد خبرتني خبرك
[3] في ت: «الهيذام» . وقد ذكر ابن النديم في «الفهرست» طبع ليبزج ص 82 أبا الهندام وقال إن اسمه كلاب بن حمزة من أهل حرّان وقد أقام بالبادية وقيل إنه كان معلما، وكان عالما شاعرا، وله من الكتب «كتاب النحو» و «كتاب ما تلحن فيه العامة» أه بتصرّف.
ولم ندر أهو هذا أم غيره. والهيذام في اللغة: الرجل الشجاع أو الأكول.
[4] كذا في ت. وفي ب، س، أ، م، ء: «أحدّثك» وفي ح، ر. «أخذك» .
[5] يراد به - فيما يظن صاحب «الأغاني» - خالد بن عبد اللّه القسري المعروف بالخرّيت. وقد روى عنه أنه نشأ بالمدينة، وكان في حداثته يتخنّث ويتتبع المخنّثين والمغنّين ويمشي مع عمر بن أبي ربيعة ويترسل بينه وبين النساء (انظر ج 19 من «الأغاني» طبعة بولاق في أخبار خالد بن عبد اللّه) .