أمّا منهج التحقيق وخطواته فتتلخّص بما يلي:
بعد جمع النسخ، رتّبتها تبعا لأهميّة كلّ منها وقيمتها [1] ، فاعتمدت منها أوفرها قيمة، وأفضلها مرتبة، وأصحّها نصّا، وأكثرها دقّة، وهي كما سيأتي النسخة ذات الرقم (5971) ، التي رمزت إليها ب «ك» ، لتكون الأساس الأوّل والأصل الأمّ، لتحقيق كتاب «خزانة الأدب وغاية الأرب» ولإثبات نصّه، مؤثرة هذه النسخة المخطوطة على النسخ الأربع التي تليها، لما تميّزت به عنها من تمام وجودة في الخطّ، وصحّة ودقّة في الضّبط، ولما تعرّضت له من معارضات ومقارنات ومقابلات بالأصل المنقولة منه، وبنسخ أخرى، ولما عليها من قراءات ومطالعات وتقاريظ، ولقدم عهدها وقربه من تاريخ التأليف، ثم تليها النسخة «د» ، فالنسخة «و» ، فالنسخة «ب» ، ثم المطبوعة «ط» كنسخة متأخّرة.
ثمّ عمدت إلى معارضة هذه النسخ الخمس، بعد أن رمزت إلى كلّ منها بحرف، وشدّدت على مقابلتها ومقارنتها بعضها ببعض، بكلّ تأنّ ورويّة ودقّة وأمانة، فلم أترك شاردة أو واردة إلّا وأخذت بناصيتها، وذلك لإيماني بأنّ التحقيق أمانة جليلة وأمر خطير، يحتاج من الجهد والطاقة، والعناية والدقّة، إلى أكثر ممّا يحتاج التأليف.
ولقد كان اجتماع هذه النسخ لديّ (المخطوطة والمطبوعة) عنصرا مساعدا على ترجيح الرواية الصحيحة للكتاب، وقد جهدت لإثبات ما هو منه وحذف ما ليس منه، مع الإشارة إلى ذلك في الحاشية، حرصا على أمانة النصّ العلمية، ولا سيّما أن الإشارة إلى موضع الإثبات والحذف قد تكون مفيدة فتعين القارئ على تفهّم النصّ من جهة أخرى، كما حاولت تخليص النصّ ممّا لحق به من التصحيف والتحريف، وتصحيحه من الأخطاء، وتقويم ما اعوجّ منه، وتهذيب ما اختلّ، وإثبات الرواية الصحيحة، أو ما اعتقدتها صحيحة، في المتن وغيرها في الحاشية.
ولمّا كان الهدف من التحقيق هو إحياء التراث الفكريّ وإظهاره على الملأ صحيحا سليما تامّا أو أقرب ما يكون إلى ما خطّه قلم المؤلّف في نسخته البكر، وفاء
(1) تكمن قيمة النسخ وأهميتها في اعتبارات كثيرة منها: القدم، والصحّة، وو سيأتي الكلام على أوصاف هذه النسخ وأهميتها.