وكانت نظرة الباقلّانيّ إلى البديع شاملة، وقد ذكر كثيرا من فنونه في كتابه «إعجاز القرآن» بلغت الثلاثين، إلّا أنّه رأى أن لا سبيل إلى معرفة الإعجاز من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووصفوه، وذلك لأنّ هذا الفنّ ليس فيه ممّا يخرق العادة ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلّم والتدرّب [1] .
وإذا ما انتقلنا إلى القرن الخامس الهجري فإنّنا نلتقي بأديب مغربيّ اهتمّ بالشعر وآدابه اهتماما كبيرا، فنضج الإحساس الفنّي في كتابه «العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده» ، وحظي البديع فيه بنصيب وافر من البحث والشرح. وما يلاحظ في كتابه أنّه أفرد أبوابا منه لمباحث البيان، وأخرى للمحسّنات البديعيّة، وهذا يدلّ على أنّه قد بدأ يستقرّ في أذهان النقّاد وأهل البلاغة أن «البيان» غير «البديع» ، وإن خلطوا بين أنواع البيان والبديع وعند كلامه على البديع يفرّق بينه وبين المخترع، ثم يرى أنّ أوّل من جمع البديع هو ابن المعتزّ [2] .
وقد جمع ابن رشيق في كتابه تسعة وعشرين نوعا من البديع، ورد بعضها عند من سبقه وزاد بعضها وقد بلغت الأنواع الجديدة عنده تسعة. وتتميز دراسة ابن رشيق لما ذكره من فنون البديع بأنها أكثر تفصيلا وإن كانت امتدادا لما ذكره من قبله، فهو يعرّف الفنّ البديعيّ ثم يتبعه بالشواهد من الشعر والنثر، وقلّما كان يعرض للشاهد بالشرح اعتمادا على فطنة القرّاء.
ثم أتى ابن سنان الخفاجي، ونظر في هذا الحشد من ألوان البديع، فرأى أن بعضها ينشأ من وضع الألفاظ في مواضعها، وبعضها ينشأ من مناسبة الألفاظ للمعاني، وإذا به في كتابه «سرّ الفصاحة» يعالج فنون البديع في سير حديثه عن حسن اللفظ وحسن المعنى، ويجعلها على نوعين: نوع يتعلّق بالألفاظ، وآخر يتعلّق بالمعاني، فكانت نظرته المتأمّلة هذه مدخلا للعلماء والمتأخرين أن يقسّموا البديع إلى محسّنات بديعية وأخرى معنويّة [3] .
وتزدهر الدراسات البلاغية في القرن الخامس الهجريّ على يد عبد القاهر
(1) إعجاز القرآن ص 159، 162.
(2) العمدة 1/ 415، 420.
(3) سر الفصاحة ص 110، 118وما بعدها.