بالخفاجيّ ثم جاء بدر الدين بن مالك صاحب كتاب «المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع» وهو تلخيص لمفتاح السكاكيّ وأطلق على هذه الوجوه والمحسّنات مصطلح «علم البديع» فكان أوّل من هيّأ لأن تصبح البلاغة متضمنة ثلاثة علوم:
المعاني، والبيان، والبديع [1] إلّا أن السّكاكيّ لم يأت في كتابه «مفتاح العلوم» على كلّ المحسّنات البديعية التي كانت سائدة في عصره، بل اقتصر منها على ستّة وعشرين نوعا، لعلّها كانت في نظره أهمّ من غيرها من حيث التأثير في التحسين اللفظي والمعنويّ، كما أنه لم يضف إليها جديدا.
ويطالعنا في هذا القرن أيضا ضياء الدين بن الأثير صاحب كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» ، الذي قسّمه إلى مقدّمة في علم البيان ومقالتين، إحداهما في الصناعة اللفظية والثانية في الصناعة المعنويّة. وأوّل ما نلحظه في هذا الكتاب أنه لم ينظر إلى المحسّنات البديعية كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر والزمخشري والسكاكيّ ومن تأثّر بهم، وبالتالي لم يدرسها دراسة منفصلة عن البيان، بل يتوسّع في مفهوم علم البيان ليشمل مباحث علمي المعاني والبديع مجاريا في ذلك مدرسة الجاحظ التي اعتبرت أن «البيان» مرادف لكلمة «البلاغة» .
ومن علماء هذا العصر أحمد بن يوسف التيفاشي المغربيّ صاحب مؤلف «البديع في علم البديع» ، وقد أحصى فيه سبعين محسّنا من المحسّنات البديعيّة.
ويليه في هذا العصر زكيّ الدين بن أبي الأصبع المصريّ، وقد تناول البديع في كتابيه «بديع القرآن» و «تحرير التحبير» ، وذكر أنّه وقف على أربعين كتابا في هذا الفنّ، استقى منها أنواع البديع المعروفة، وزاد عليها أنواعا أخرى، واستخرج عشرين نوعا جديدا، فأورد في «تحرير التحبير» مئة وخمسة وعشرين نوعا، وفي «بديع القرآن» مئة وتسعة من أنواع البديع وما يلاحظ عليه أنّه عالج فنون البديع متداخلة مع كثير من مباحث علمي المعاني والبيان، وقد طغى عليها التحليل المنطقيّ.
وكان علي بن عثمان الإربليّ معاصرا لابن أبي الأصبع المصريّ، وقد نظم قصيدة مدح وغزل من ستة وثلاثين بيتا في كلّ بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره، وقد وضع بإزاء كلّ بيت اسم المحسّن البديعيّ الذي تضمّنه،
(1) المصباح ص 75.