وأثر المجتمع واجتماعه مع الأسباب السابقة:
ما إن انتشر فنّ البديعيات بين الناس حتى تقبّلوه واستبشروا به خيرا واحتفوا بأهله، وقد سبق أن أشرت إلى طلب أولي الأمر له والحضّ على نظمه، وهذا ممّا حدا بالشعراء إلى الإقبال عليه والإدلاء بدلوهم في منهله، علّهم يحظون بآذان الشعب وقلوبهم، ولا سيّما في وقت كان الشعراء فيه يعيشون عيشة الغرباء بين حكّام في غالبهم من غير العرب لا يجيدون فهم هذه اللغة وأساليبها، لبعد أذواقهم عن فهم البلاغة العربية، فكانت مرحلة تقرّب الأديب أو الشاعر من طبقات المجتمع الأخرى، ممّن يسمع ويفهم ويطرب لكلّ تعبير من تعابير العربية الفصيحة، وذلك ليستطيع الوصول إلى ذروة الشهرة بينهم، فيضمن لنتاجه الأدبيّ الرواج والفلاح، وكانت «البديعيات» عند معظم أصحاب البديعيات وسيلة اتّخذوها ليحققوا غاياتهم، ومجالا واسعا ينطلقون منه إلى حيّز الظهور والشهرة [1] .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: متى نشأت «البديعيات» ، وعلى يد من من الشعراء ولدت البديعية الأولى التي أطلقت عقال عشرات الشعراء فيما بعد لكي ينظموا في هذا الفنّ الجديد؟!!
لقد اختلف العلماء ومؤرّخو البلاغة ودارسو الأدب في تحديد أوّل بديعيّة، وبالتالي اختلفوا في تحديد أوّل بديعيّ سنّ للشعراء هذه السنّة الأدبيّة، ذلك لأن معرفة البدايات قد تكون من أعضل المشكلات، ولا سيّما في فنّ «البديعيّات» الذي تشعّبت بداياته، فتسعّبت الطرق إليها [2] .
ومن خلال استقراء آراء هؤلاء العلماء والدارسين المتباينة يبدو أنّ مكان الأوّليّة يتنازعه أربعة من الشعراء، وهم: يحيى بن عبد المعطي الزواوي المتوفّى سنة
(1) انظر «البديعيات في الأدب العربي» ص 3931.
(2) أضف إلى ذلك أن موضوع البديعيات لم يحظ بدراسة كاملة لمعظم جوانبه ولا سيما «بداياته» ، إلّا على يد نفر قليل توقّفوا عنده قليلا في سياق أبحاثهم العامة، باستثناء باحث واحد كما أعتقد هو علي أبو زيد الذي قام بدراسة مفصلة لهذا الفن تقدم بها لنيل شهادة الماجستير من كلية الآداب في جامعة دمشق، تحت عنوان: «البديعيات في الأدب العربي» .