فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 1046

يصرّح باسم هذا النوع أحيانا، وقد لا يصرح به أحيانا أخرى. وينطلق الربداوي من هذا ليقول: «فلو عدنا إلى كلّ من ابن جابر والحلّيّ، وطرحنا السؤال التالي: لماذا اختار ابن جابر بحر قصيدته من البسيط وقافيتها الميمية، ولماذا كانت مخصوصة بمدح الرسول؟؟ أظن أنه لا جواب عنده لهذا السؤال أللهمّ إلّا إذا أجاب بما أجاب به زكيّ مبارك من أن ابن جابر تأثّر بالبوصيري وقصيدته، ولكن هذه الأسئلة تحمل الإجابة في ثناياها من خلال مقدّمة الحليّ الآنفة الذكر، فالذي دفعه إلى مدح الرسول هو تلك الرؤيا التي رآها في منامه كما ذكر هو، وهذه الرؤيا التي رآها الحلّيّ في منامه تذكرنا فورا بمنام البوصيري وتقاضي الرسول المديح منه، فلا غرابة أن ينشط الحلّي بمعارضة البوصيري في قصيدة كقصيدته ما دامت دواعي النظم متشابهة، فلماذا لا يستريح الحليّ من البحث عن بحر وقافية وموضوع لقصيدته ما دام يعيش التجربة نفسها التي عاشها البوصيريّ، فكل ظروف الحليّ تشبه ظروف البوصيريّ، فلذا ما عليه إلّا أن يفرغ معانيه وأفكاره في قوالب مشابهة لمعاني كان غيره قد مرّ بها، وإذا كان ثمّة فرق بين الحلّيّ والبوصيريّ فهو في أنّ الحلّيّ ضمّن قصيدته أنواع البديع، وهذا أمر طالما فكر فيه الحلّيّ، وكان يودّ أن يؤلّف فيه كتابا لولا ما ألمّ به من مرض فمن كل هذا نستخلص نتيجة واحدة وهي أنّ الحلّيّ لديه من مسوّغات السبق في نظم البديعيات أكثر وأرجح مما لدى ابن جابر كما ذهب زكيّ مبارك ومن كل هذا نستطيع أن نحكم بأسبقيّة الحلّيّ على ابن جابر في نظم البديعيّة، ولكن لا نستطيع أن نقول أنّه أوّل من ابتكر فنّ البديعيات» [1] .

ولم يكن هذا موقف الربداوي وحده، بل سبقه وشاركه فيه كثير من الباحثين، منهم ابن حجر العسقلانيّ، إذ قال: «ونظم «الحلّة السّيرا في مدح خير الورى» ، على قافية الميم، بديعية على طريقة الصفيّ الحلّيّ» [2] ، كذلك فعل ابن حجّة الحمويّ في خزانته، إذ كان يقدّم بيت الصفيّ في الاستشهاد ثم بيت ابن جابر، ثمّ بيت الموصليّ. ودأب دأب ابن حجر وابن حجة كثيرون ممّن أرّخوا للأدب العربي عامّة، فوضعوا صفيّ الدين الحليّ في مقام الرّيادة والأسبقية، ويكاد يتّفق العلماء وجمهور الباحثين في الماضي والحاضر على أنّ صفيّ الدين أوّل من نهض بفنّ البديعيات،

(1) الدرر الكامنة 3/ 430429.

(2) «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت