المتوفّى سنة 750هـ.، فقد نظم بديعيته على بحر البسيط، وعلى رويّ الميم المكسورة، وفي مدح النبيّ، (صلى الله عليه وسلم) ، جاعلا كلّ بيت منها مثالا لنوع من البديع أو أكثر، وفي هذا الطور يظهر أثر بردة البوصيريّ في الوزن والرويّ والغرض. وأمّا الطور الثالث: فقد كان على يد عزّ الدين الموصليّ المتوفّى سنة 789هـ. فقد حاكى الصفيّ فيما صنع وأربى عليه بالتزام التورية باسم النوع البديعي، فذهب بهذا الفنّ إلى أبعد غايات التكلّف والثقل، حتّى لم يستطع مجاراته إلّا القليل من أصحاب البديعيات» [1] .
ويرى محمود رزق سليم في كتابه «عصر سلاطين المماليك» أنّ أوّل من نظم الشعر بهذا القيد هو أمين الدين السليمانيّ، غير أنّ الناظر في بديعيّته التي تقع في ستّة وثلاثين بيتا في الغزل والمدح، يحكم أن هذا الفنّ الشعريّ الوليد كان في بدئه لا يزال يحبو، أو كان ذرّة تتلمّس لنفسها وجودا ولمّا يتفجّر ما في باطنها من حياة [2] .
وقد أشار شوقي ضيف في معرض حديثه عن نشأة البديعيات إلى بداية هذا الفنّ على يد أمين الدين السليماني الإربليّ، بقوله: «ولا نكاد نمضي بعد ابن أبي الأصبع حتى نجد علي بن عثمان الإربليّ ينظم قصيدة في مديح بعض معاصريه، مضمّنا كلّ بيت منها محسّنا من محسّنات البديع، وبإزاء كلّ بيت المحسّن الذي يشير إليه على كل حال تعدّ هذه القصيدة أوّل قصيدة عني ناظمها بأن يودع كل بيت من أبياتها محسّنا بديعيّا» [3] .
وقد أشار محمود الربداوي إلى أسبقية الإربلي، بعد أن حكم بأسبقية الصفيّ على ابن جابر، بقوله: «ومن كل هذا نستطيع أن نحكم بأسبقية الحليّ على ابن جابر في نظم البديعية، ولكن لا نستطيع أن نقول إنّه أوّل من ابتكر فنّ البديعيّات ذلك لأننا نعلم أن شاعرا اسمه الشيخ علي بن عثمان بن علي بن سليمان أمين الدين السليمانيّ الإربليّ الصوفيّ قد نظم قصيدة لاميّة ضمّنها جملة من أنواع البديع، نوعا في كل بيت» [4] .
(1) الصبغ البديعي ص 379378.
(2) عصر سلاطين المماليك 6/ 158.
(3) البلاغة تطور وتاريخ ص 360.
(4) «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 190.