ويشير علي أبو زيد في كتابه «البديعيات في الأدب العربي» إلى أن الإربليّ قد سبق أيضا بمن نظم أنواع البديع في قصيدة، وإنّ اختلفت الطريقة التي سلكها كلّ من السابق والمسبوق، فالفكرة تكاد تكون واحدة، وهي حشد أنواع البديع في منظومة شعريّة، إذ نظم يحيى بن عبد المعطي الزواوي المتوفّى سنة 628هـ.، قصيدة مؤلّفة من أبيات، كلّ عدد منها مستقلّ في وزنه وقافيته، وذكر فيها أوّلا شواهد هذا البديع نظما، يذكر الشاهد ضمن بيت أو بيتين له، ثمّ يذكر بعد ذلك نظما اسم نوع البديع وحده». يقول المؤلف فيها (من الطويل) :
وبعد فإنّي ذاكر لمن ارتضى ... بنظمي العروض المجتلى والقوافيا
أتيت بأبيات البديع شواهدا ... أضمّ إليها في نظيمي الأساميا [1]
وسمّى قصيدته هذه: «البديع في علم البديع» [2] .
بعد هذا، لا بدّ من الوصول إلى تحديد أول ناظم ولدت البديعية الأولى على يده، وتحديد مواقع الآخرين منه.
فأما موقف مبارك فلا دليل يسانده إلّا ما اجتزأه من مقدّمة شرح الرّعينيّ لبديعية ابن جابر، وذاك لا يكفي ليكون دليلا كافيا على تقديم ابن جابر على صفيّ الدين الحلّيّ، متجاهلا بذلك ثلاثين عاما كانت بين وفاة الحلّيّ ووفاة ابن جابر.
ثمّ إنّ الحجج التي قدّمها محمود الربداوي وجمهور الباحثين، فيها من الإجماع على تقديم الحليّ على ابن جابر الأندلسيّ ما يكفي ويدعم الرأي القائل بتأخير هذا عن ذاك وحسب الحليّ من الأوّليّة أنه كان أوّل من سنّ سنّة بحر البسيط والقافية الميمية المكسورة ومدح الرسول منهجا لبديعيّة، وأوّل من أطلق على هذا الفنّ هذا الاسم في تسميته لبديعيّته «الكافية البديعية» ، كما أنّ معظم الذين نظموا البديعيات في القرن الثامن الهجريّ وهم طليعة وروّاد نظّام البديعيات كانوا يعارضون الحلّيّ ويصرّحون بذلك، ولا يقولون أنّهم عارضوا ابن جابر، منهم: شهاب الدين أحمد العطّار المتوفّى سنة 794هـ.، صاحب البديعية المسمّاة «فتح الإلّي في مطارحة الحلّيّ» [3] ، وشعبان الآثاري المتوفّى سنة 828هـ.، وصاحب البديعيّات الثلاث:
«بديع البديع في مدح الشفيع» وهي الصغرى، و «العقد البديع في مديح الشفيع» ،
(1) فهرس المخطوطات المصورة 1/ 409.
(2) البديعيات في الأدب العربي ص 68.
(3) كشف الظنون 2/ 1231.