ويبدو أنّ ابن حجّة هو أوّل من أرسى حدود هذا المصطلح، فانتشر، وعرفه الناس والشعراء والعلماء، وشرعوا يستخدمونه ويطلقونه على كلّ قصيدة تنتظم في سلك هذا الفنّ.
أقول هذا، لأنّ بديعيّا آخر قبله، وهو عزّ الدين الموصليّ، نظم بديعيّة عارض بها بديعيّة صفي الدين الحلّيّ، فنهج بها نهجه، وزاد عليه بالتورية باسم النوع ضمن البيت، ونظم أخرى خرج بها عن نهجه، فجعلها لاميّة على وزن «بانت سعاد» [1]
وبذلك كان عزّ الدين الموصليّ، أوّل من أضاف جديدا إلى فنّ البديعيّات بالتورية باسم النوع ضمن البيت، وأوّل من خالف قوانينها فنظمها على غير رويّ، وأوّل من سنّ نظم أكثر من بديعيّة من قبل شاعر واحد. ولعلّ خروج عز الدين على بعض ما سنّة الصفيّ في بديعيته، يدلّ دلالة واضحة على أنّ هذا المصطلح «البديعيّة» لم ير النور كمصطلح بلاغيّ حتّى جاء ابن حجّة الحمويّ وسنّه لمن بعده من شعراء البديعيات، وقد أحيا بذلك تسمية الحليّ لبديعيّته، بل لقد سقى تلك البذرة الحلّيّة لتصبح مصطلحا سويّا له معالمه ومميزاته، وإن لم يتجرّأ من يخوض في موضوعه أن يجعل له تعريفا واضحا مميّزا أو حدّا فاصلا ملتزما، على الرغم من انتشاره وسيرورته ومعرفته.
إذا لقد بقي هذا المصطلح «البديعيّة» متجاذبا بين كلّ من أراد أن يلقي نظرة على هذا الفنّ أو يدلي برأي فيه، حسب ما يراه كلّ من وجهة نظره أو جهة تخمينه، حتى لو أردت البحث عن مفهوم هذا المصطلح وملامحه عند العلماء والباحثين على مرور الزمن لوجدت في ذلك بعضا من الاختلاط والغموض، على الرغم من الاتّفاق حول المعالم الأساسيّة له.
فصفيّ الدين الحليّ رسم معالم «البديعيّة» من خلال كلامه عن مضمون قصيدته بقوله: «فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع وتتطرّز بمدح مجده الرفيع فنظمت مئة وخمسة وأربعين بيتا في بحر «البسيط» تشتمل على مئة وواحد وخمسين نوعا من محاسنه وجعلت كلّ بيت مثالا شاهدا لذلك النوع» [2] .
(1) انظر الدرر الكامنة 3/ 112.
(2) شرح الكافية البديعية ص 5554.