عن طول باعهم وسعة اطّلاعهم، فكادت أمثلتهم النثرية توازي أمثلتهم الشعرية، فاتّخذوا من أقوال الخطباء، وأمثلة الفصحاء والبلغاء، وخطب العلماء، ومناظرات الأدباء مادّة هامّة في الاستشهاد بها إلى جانب الشعر.
وعلى طريقتهم في الاستشهاد بالأشعار، ساروا في الاستشهاد بالنثر، فالشاهد النثريّ قد يكون مثلا سائرا، أو بعض خطبة، وقد يطول الشاهد حتى يتضمّن رسالة كاملة، ولعلّ أوضح مثال على ذلك ما جاء في «خزانة الأدب» لابن حجّة، فهو، مثلا عندما يتحدّث عن «التغاير» يورد قولا لابن أبي الإصبع في بيت أبي تمام ثم يقول:
«وقد عنّ لي هنا أن أرفع للمتأخّرين في التقديم راية ليعلم المنكر الفرق بين البداية والنهاية، فإنّ الشيخ جمال الدين أظهر في المغايرة بين السيف والقلم ما صدق به قول القائل [من الطويل] :
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل [1]
من ذلك قوله في رسالة المفاخرة والمغايرة فبرز القلم بإفصاحه وقام خطيبا بمحاسنه في حلّة مداده، والتفت السيف فقال» [2] ، ويورد على ذلك الرسالة كلّها رغم طولها.
5 -لمحات نقديّة:
إنّ معظم شرّاح البديعيّات استطاعوا أن يميّزوا أثناء شروحهم بين الحسن والقبيح، والجيّد والرديء، من خلال لمحات وإشارات عديدة، ووقفات فاحصة متفرّقة في أثناء شروحهم، تعبّر عن موقفهم، وتوضّح منهجهم في النقد وتشير إلى ملامح النقد في عصرهم بشكل عام، فما هم إلّا من هذا العصر وأبنائه، وما نقدهم إلّا جزء من نقده. وسيأتي الكلام على هذا في «أثر البديعيات في النقد» .
6 -فنون مختلفة:
من المعروف أن شرّاح البديعيات كانوا على ثقافة إسلامية عربية واسعة، فجاءت شروحهم صورة عن هذه الثقافة، إذ تجد فيها الفقه والتفسير والنحو واللغة والعروض والبلاغة، بالإضافة إلى ما سبق ذكره، وكلّها فنون بديعة من «المستملح المستطاب» .
(1) البيت لأبي العلاء المعري في سقط الزند ص 193وخزانة الأدب 3/ 218.
(2) خزانة الأدب وغاية الأرب، باب التغاير 2/ 238218.