فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 1046

أن ينظموا «البديعيات» ، ولعلّ هذا الطلب كان ابتغاء التقرّب من جمهور الناس، والظهور أمامهم بمظهر التّقى في عصر كان يستهوي الناس مثل هذا المظهر ويخفّف من سخطهم على أفراد الطبقة الحاكمة. وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ للمقياس الدينيّ أثرا في الفكر السائد آنذاك، وهذا ما يجعله يرتبط بشكل أو بآخر بمفاهيم النقد ومقاييسه في ذلك العصر. وإذا نظر بعضنا اليوم إلى أن البديعيات «منذ أن ولدت إلى أن قضت، صناعة من العبث، أضعفت من الشعر، وهدّت من قوّته، وأزرت من مكانته، وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل» [1] ، فذلك لأنّ مفاهيمنا النقدية اليوم غير مفاهيمهم، وإن كانت امتدادا لموروث ثقافيّ وبيئيّ واحد.

لذلك يرى علي أبو زيد في كتابه أنّ «البديعيات» قد وافقت بيئتها من جهتين على الأقلّ:

أولاهما: الحسّ الدينيّ الذي كان يسيطر على جميع طبقات الشعب.

ثانيتهما: الذوق العام المائل إلى الزخرفة والتنميق في كلّ شيء، وهذا ما جعل البديعيات وما أتت به من أنواع بديعية تتطابق مع الملامح الفنيّة السائدة في ذلك العصر.

وليس غريبا بعد هذا أن يطلب السلطان أو الحاكم من أحد الشعراء أن ينظم بديعيّة، وهذا ما جرى مع الشاعر ابن المقرئ عندما طلب منه الملك الناصر نظم بديعية ليتقرّب بهذا الطلب من الناس [2] ، ومع غيره من الشعراء، مثل ابن حجّة، إذ نظم بديعيته استجابة لرغبة صاحب ديوان الإنشاء محمد بن البارزيّ الذي أعانه عليها ورافقه في نظمها حتى النهاية [3] .

ويقابل هذا الموقف موقف الشعراء أنفسهم الذين بلغت «البديعيات» عندهم مكانة مرموقة جعلتهم يعتبرونها مثلا عاليا ويحملونها هدايا نفيسة يتقرّبون بها من أولي الأمر في أحوال مختلفة.

فمحمّد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهامليّ مثلا، رأى في بديعيّة

(1) الصبغ البديعي ص 372.

(2) البديعيات في الأدب العربي ص 220219.

(3) انظر خطبة المؤلف في خزانة الأدب 1/ 306303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت