ينظمها في مدح شيخه خير سبيل للتقرّب إليه وإظهار الإخلاص له والزلفى بين يديه، فنظمها، مغايرا في مضمونها، جاعلا هذا المضمون خالصا في مدح شيخه [1] .
إذا، لم تبق «البديعيات» مجرّد فنّ شعريّ معهود، بل خرجت إلى دائرة النقد، وما ذاك القبول والإقبال عليها من قبل الخاصّة والعامّة إلّا موقف له دلالته النقديّة الواضحة.
2 -موقف العامة:
يتّضح من خلال موقف الخاصة من البديعيات، أنّه لولا حبّ العامة لهذا الفنّ وتعلّقهم به لما تقرّب أولو الأمر به إليهم، ولولا ذلك أيضا لما أقدم كبار الشعراء، آنذاك، على نظمها، ولما جعلوها غاية وذروة لا يستطيع بلوغها إلّا المقتدر، ولما استطاع هذا الفنّ الطريف أن يعيش سحابة سبعة قرون من عمر تراث هذه الأمّة، وأن ينتشر في معظم أصقاعها.
وربّما كان للاتجاه الدينيّ الذي رافق هذا الفنّ من أثر بالغ في قبول الناس للبديعيّات، إذ صادف هذا الفنّ هذه النزعة الدينية المسيطرة على نفوس الناس في عصر هم بحاجة ماسّة فيه إلى بعث جديد للأمّة بعد أن سيطر عليها من لا يستحقّ قيادتها، فعاث فيها فسادا، وقد وجد الناس في البديعيات، كونها مدائح نبويّة، ملاذا يرجون به الخلاص، إلى جانب ما وجدوا فيها من غرض تعليميّ جديد، فلاقت منهم آذانا مصغية وقلوبا واعية.
يتّضح ممّا سبق أن فنّ «البديعيات» لم يكن مقتصرا على خاصّة الناس والشعراء، بل كان فنّ الناس جميعا على اختلاف طبقاتهم، ففهمه خاصّتهم، وترنّم به عامّتهم، وهذا يدلّ دلالة واضحة على الحركة النقدية التي كانت تدور حول هذا الفنّ.
3 -كتب ومؤلّفات في نقد البديعيّات:
لم تقتصر الحركة النقدية على الموقف التذوّقيّ المتمثّل في قبول هذا الفنّ والإقبال عليه، بل تعدّته إلى مرحلة التأليف في نقد هذا الفنّ، فظهرت كتب ومؤلّفات هي، على قلّتها، ظاهرة وأثر من الآثار النقديّة لهذا الفنّ. من هذه الكتب:
«الحجّة في سرقات ابن حجّة» للنواجيّ و «الحجّة على من زاد على ابن حجّة في علم البديع» لعثمان بك الجليليّ و «إقامة الحجة على التقيّ ابن حجّة» لأبي بكر بن
(1) هدية العارفين 2/ 399والبديعيات في الأدب العربي ص 222.