العربيّ، سما بالمنظومات التعليمية إلى مرتبة الغرض الشعريّ، كما سما بغرض المديح عن المآرب والغايات القريبة، بالإضافة إلى أنّها تملأ فراغ الشاعر وتشغله فيما لو وجد فراغا، ولهذا لم تكن البديعيات سببا في ضعف الشعر، بل كانت عاملا على ارتقائه في الشكل والمضمون إلى حدّ كبير.
أمّا بالنسبة لعلم البديع فحسبه أنه اصطبغ بهذه القصائد بصفة التكريم والتعظيم، ونال من الاهتمام والتقدير ما لم تنله العلوم البلاغية الأخرى في مباحث المعاني والبيان. أضف إلى ذلك إنّ أقلّ ما يمكن أن توصف به البديعيات عند غير محبّيها، أنّها لون من ألوان الشعر التعليميّ، شأنها في ذلك شأن المتون العلمية المنظومة كألفيّة ابن مالك في النحو، والرّحبيّة في الفرائض، والشاطبيّة في القراءات، وغيرها وحتى في هذا التقييم فإن البديعيات «متون» تعليميّة جمعت فنون البديع، وقدّمتها سهلة سائغة إلى الناس جميعا، فنقلت هذا العلم «البديع» من برجه العاجيّ الذي لا يقربه إلّا المختصّون، إلى حياة الناس فعاشت معهم سبعة قرون عزيزة مكرّمة.
ورأى علي أبو زيد في كتابه «البديعيات في الأدب العربيّ» أن البديعيات، رغم ذلك كلّه، «برزخ بين الشعر الرائع، والنظم التأليفيّ، فلا يستطيع المرء أن يدرجها تحت أيّ منها، والسبب يتمثّل باشتراك العاطفة مع التأليف، فالممدوح مثل كامل، والقصيدة مدحيّة، وهنا تجود القرائح وتهتزّ الأريحيّة، ويمدح الشاعر ولا حرج، وأوضح ما يكون ذلك في بديعية الحلّيّ، ثم بديعية الباعونية والنابلسيّ الصوفيّين» [1] .
ومهما قيل في أمر هذه البديعيات من «أنّها متكلّفة وأنّها ساقطة النظم، عسرة الأسلوب، ركيكة التراكيب، فهي على كلّ حال، فنّ شعريّ جديد، ولد وشبّ وترعرع في العصر المملوكيّ وشغل أذهان أدباء العربية حقبة من الزمن طويلة، وأثرى العلم والأدب من ورائه ثروة لا يستهان بها، وبخاصّة من شروح البديعيّات» ، ولا سيّما المطوّل منها.
(1) عصر سلاطين المماليك 6/ 159.