فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 1046

«البديعيّات» التي حملت في ثناياها أنواعا بديعية جديدة، قد أخلّت بأنواع بديعيّة معروفة، وهذا دليل واضح على شدّة بحث هؤلاء عن الجديد دون غيره أحيانا. وإذا ما نظرنا إلى هذا الجديد الذي أتت به البديعيات نرى صورة أوّلية لحياة البديع وأنواعه خلال سبعة قرون من عمر التراث البلاغيّ والأدبيّ، كما نلمح صورة للمفهوم الذوقيّ والجماليّ والبلاغيّ في ذلك العصر، بالإضافة إلى رسم صورة واضحة لمفهوم التقليد والمحافظة على القديم مع النزعة إلى التجديد عند جمهور الناس.

هذه هي «البديعيات» بأثرها وقيمتها، وإن كان البعض يرى أنّها قد خلت من أيّة قيمة أدبية رغم استبدادها بالشعر العربي منذ أواسط القرن السابع الهجري إلى القرن الرابع عشر، فهي عند هؤلاء منذ أن ولدت، إلى أن قضت، صناعة من العبث، أضعفت من الشعر ولغته، وهدّت من قوّته، وأزرت من مكانته، وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل، وهوت به إلى هاوية الإسفاف، وجرّدته من روائعه وروعته.

كما يرى البعض أنّها ذهبت بالبديع مذاهب التشعيب فعاد عليه بالضعة والهوان، إذ اعتبرت، وإن جهد العلماء في شرحها، بابا لوصول البديع إلى ما وصل إليه من فقدان جماله، بما نسب له ممّا لا يصحّ أن يكون منه، فأكثروا منه إلى حدّ الإملال، وقد غرست في كثير من الأذهان أن أنواع البديع لا يقف عند حدّ، ومن هنا كتب عليها الإخفاق في ناحيتيها الأدبيّة والعلميّة، فلم تصل إلى غايتها ولم تؤدّ رسالتها [1] .

وفي الحقيقة أنّ البديعيات لم تكن شعر العصر كلّه، ولم يقتصر الشعراء عليها، ولم يسلك سبيلها إلّا من ملك ناحية التأليف وزمام القوافي، وهم قليل، فإذا عدّت البديعيات، نجدها لا تبلغ المئة على مدى سبعة قرون كانت غزيرة الإنتاج من الناحية الشعرية، وهل يمكن أن نحكم على شعر سبعة قرون من خلال بضعة وتسعين قصيدة لحوالي ثمانين شاعرا، رغم أن نصوص أكثرها مفقود [2] ؟!

ثمّ إن البديعيّات كما في رأي علي أبو زيد جاءت بفنّ جديد في الشعر

(1) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 50.

(2) البديعيات في الأدب العربي ص 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت