فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 1046

وحسن المطلب والمقطع، وتمكن قوافيها، وظهور القوى فيها، وعدم الحشو فيها، بحيث يحسبها السامع غفلا من الصنائع. ولم أرسل هذه الدعوى عارية عن بيّنة، فقد قالت الحكماء: «الأخير يتعقّب النظر» ، فانظر أيّها الناقد الأديب والعالم اللبيب إلى غزارة الجمع ضمن الرياقة في السمع، فإنّها نتيجة سبعين كتابا لم أعد منها بابا، فاستغن بها عن حشو الكتب المطوّلة، ووعر الألفاظ المعظّلة» [1] .

ويلاحظ أنّ الحلّيّ لم يلتزم في بديعيته تسمية النوع البديعيّ في كلّ بيت، اكتفاء بالتعريف به عن طريق المثال، ولعلّه أراد بذلك أن يسبغ على بديعيّته صفة الوضوح والجمال الشعريّ، وأن يجنّبها صنعة التعقيد في النظم عند التزام تسمية النوع البديعيّ ضمن البيت.

وكان لشرحه على بديعيته قيمة كبيرة وأثر بالغ في علم البديع، فقد كانت شخصية الحلّيّ بارزة واضحة في شرحه، وقد عرض مادّته بأسلوب محكم الصياغة، دقيق المصطلح كثير الشواهد، عديد المراجع، مدعّم بأقوال علماء البلاغة، كما تميّزت عباراته بأمانته العلمية المعهودة في عزوه كلّ قول إلى صاحبه، أمّا اختياره للشواهد فيدلّ على ذوق رفيع وإحساس بجمال اللفظ والمعنى. ولعلّ طريقته الجديدة في التأليف البلاغيّ أغرت المؤلّفين بعده باتباعه ومحاكاة طريقته، وربّما بزّوه وتجاوزوه بعد أن أفادوا من تجربته في نظم «البديعيات» وشرحها، من هؤلاء ابن حجّة الحمويّ، وعزّ الدّين الموصليّ، وابن جابر الأندلسيّ، وأبو سعيد شعبان الآثاري، وابن المقرئ، وجلال الدين السيوطيّ، وعائشة الباعونية، وعبد الغني النابلسيّ. كما أن لشرح بديعيته قيمة أخرى غير تأثيره في حركة التأليف البلاغي التي تلته، وهي أنّه لخّص فنون البديع وأضاف إليها، وحوّل هذا الفنّ إلى علم يكتشف به القارئ جمال المعنى، ويعين الأديب على تحسين أسلوبه وتزيينه بطرق التعبير التي تخدم المعنى. وبهذا يقدّم كتابه هذا مفاتيح التفهّم الجمالي للأدب، ويعين على ممارسة النقد الأدبيّ، بالإضافة إلى كونه كشف عن أبيات من الشعر لم تذكر في المصادر الأدبية إلّا لماما، وعرّف ببعض الشعراء والمؤلفين والمصنفات البلاغية التي ما زال معظمها مفقودا أو مخطوطا.

(1) شرح الكافية البديعية ص 5554.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت