وما زاد في تضخّم كتاب ابن حجّة بالإضافة إلى ذلك حبّ الإكثار والتدليل على سعة ثقافته، فقد أورد مثلا في باب «إرسال المثل» كل ما اقتنصه متتبّعو شعر المتنبّي من حكمته فبلغت أربعمئة بيت ومئة شطر، ولم يكتف بهذا، بل أورد كتابا كاملا له في الاستشهاد على هذا النوع البديعيّ «إرسال المثل» ، وهو كتابه المسمّى ب «تغريد
الصادح»، وذلك لأنّ هذا الكتاب مؤلّف من أرجوزة كلّها أمثال وحكم، ولعلّه صنع هذا الصنيع ليضع بين أيدي كتّاب الإنشاء طائفة من جوامع الكلم التي يحتاجون إليها في صناعتهم، وهذا هدف من الأهداف التي كان يسعى إلى تحقيقها من خلال بعض تآليفه، وقد يكون لعامل الذوق عنده أثر كبير في إكثار الشواهد، إذ كثيرا ما كان يورد من القصيدة بيتا هو بيت الاستشهاد، إلّا أنّه يقول: وممّا تخيّرته من هذه القصيدة كذا وكذا، ويذكر عدّة أبيات أو يستكمل القصيدة ويعتذر بعد إيرادها كاملة بأنّ ما فيها من الطلاوة وحسن السبك هو الذي جعله يورد ما أورد، وقد سلك هذا المسلك مع من يحبّهم من الشعراء، كالمتنبّي وابن نباتة المصريّ، ومن سار على منهاجهم من جماعة المولعين بالتورية. ومع هذا فعماد بديعيّته مئة واثنان وأربعون بيتا، تضمّنت مئة وسبعة وأربعين نوعا بديعيّا، التزم فيها التورية باسم النوع البديعيّ، على غرار ما فعله الموصلّيّ، وقد أخلّ بذلك بأربعة أنواع ذكرها الصفيّ في بديعيّته وهي:
التسليم، والموازنة، والتوزيع، والاستعانة، وقد حافظ مثله على بعض أنواع البيان كالتشبيه والكناية والمجاز، إلّا أنّ شرح هذه البديعية بلغ ما بلغه من الصفحات، إذ وصل إلى مئتين وسبع وعشرين صفحة مزدوجة في المخطوطة «الأم» ، النسخة «ك» [1] ، وكانت رغبة ابن حجّة في التفريع والتقسيم والتنويع سببا واضحا للاستفاضة في الشرح، بالإضافة إلى أنّه كان يلغي بعض الأنواع الفرعية التي لا يستلطفها ذوقه، ولهذا قال في باب «التفريع» مثلا: «وذكر صاحب الإيضاح ل «التفريع» قسما ثانيا لم يذكره غيره، ولا نسج على منواله أصحاب البديعيات فألغيته أيضا، والشيخ زكيّ الدين بن أبي الأصبع اخترع قسما ثالثا، ولكن وجدت هذا النوع الذي نحن بصدده أحلى في الأذواق وأوقع في القلوب، وعلى سننه مشى أصحاب البديعيات، فألغيت أيضا ما اخترعه ابن أبي الأصبع» [2] .
إذا لم يكن ابن حجة الحمويّ مجرّد مقتف لآثار البلاغيين والبديعيين في تسميتهم للأنواع البديعية، بل كان يلغي بعضها حينا، وينتقد كبار البلاغيين أحيانا لوقوعهم في سقطات ليس من ورائها أيّ جدوى. ففي باب «المراجعة» مثلا، يصرّح بأنّه لم يذكر هذا النوع في بديعيته لولا المعارضة، إذ إنّه نوع تافه، وقال: «المراجعة
(1) انظر عدد صفحات النسخ كلّها في مكانها من المدخل.
(2) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 4/ 244.