فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 1046

وألمّ به، إلّا أنّه وقف وقفة طويلة عند شعر المتأخرين من معاصريه، وحشد لهم نماذج كثيرة من الشعر والنثر، كما أكثر من حشد نماذج شعرية ونثرية من تأليفه، وتجاوز ذلك ليستشهد بالزجل والدوبيت والموشّح والمواليا، ولئلّا يلومه لائم على هذا الاستشهاد بشعر المتأخّرين ونثرهم، قدّم بين يدي كتابه مقدّمة ذكر فيها آراء بعض العلماء القدامى التي مؤدّاها أن لا مانع من الاستشهاد بشعر المتأخّرين.

ويلاحظ على استشهاد ابن حجّة ببعض أدب معاصريه أنه كان يميل إلى التزلّف والتملّق لبعض الشخصيات البارزة في زمانه، إذ يرفعها إلى مصاف الأدباء الذين يصحّ الاستشهاد بكلامهم كاستشهاده ببعض المواليا التي نظمها زين الدين بن العجميّ. وقد أكثر من الشواهد في خزانته ما أدّى إلى أن تبدو على هذا الشكل من الضخامة، فهو، مثلا، يستشهد بالبيت أو البيتين أو الثلاثة على ظاهرة أو نوع بديعيّ، إلّا أنه لا يكتفي بذلك، بل يقول: وأعجبني من هذه القصيدة قوله كذا

ويورد عدّة أبيات، وتذكره القصيدة بقصيدة أخرى فيذكرها، أو يذكر منها عدة أبيات، فلهذا كثرت الشواهد، وربّما كان تضخّم شواهد البلاغة في هذا العصر عائدا إلى كون المشتغلين بالبلاغة فتحوا باب الاستشهاد على مصراعيه ولم يجعلوا له حدودا معيّنة، كما فعل المشتغلون في علم اللغة والنحو، فأباحوا لأنفسهم أن يستشهدوا بكلام المتأخّرين والمتقدّمين على حدّ سواء، ومن يتتبّع أعمال المشتغلين بالبلاغة، يلاحظ ازدياد الشواهد على النوع الواحد بتطوّر الزمن، فكلّ عالم من علماء اللّغة يقتنص الشواهد، فيأتي غيره فيغير عليها، ولا يكتفي بها بل يزيد من شواهد معاصريه، وما إن وصلت الأنواع البديعية إلى القرن التاسع حتى كانت الشواهد من الكثرة بمكان بعيد والذي زاد في كثرة الشواهد في خزانة ابن حجّة أنّ الشعراء المتأخرين في عصره وقبله بقرون كان إسرافهم في البديع إسرافا كبيرا، وهذا ما جعل شعرهم مرتعا خصيبا للشواهد البديعية، فكان النقّاد والبلاغيون أنّى ساروا وجدوا شعرا يمكنهم الاستشهاد به.

وما زاد في تضخّم كتاب ابن حجّة بالإضافة إلى ذلك حبّ الإكثار والتدليل على سعة ثقافته، فقد أورد مثلا في باب «إرسال المثل» كل ما اقتنصه متتبّعو شعر المتنبّي من حكمته فبلغت أربعمئة بيت ومئة شطر، ولم يكتف بهذا، بل أورد كتابا كاملا له في الاستشهاد على هذا النوع البديعيّ «إرسال المثل» ، وهو كتابه المسمّى ب «تغريد

الصادح»، وذلك لأنّ هذا الكتاب مؤلّف من أرجوزة كلّها أمثال وحكم، ولعلّه صنع هذا الصنيع ليضع بين أيدي كتّاب الإنشاء طائفة من جوامع الكلم التي يحتاجون إليها في صناعتهم، وهذا هدف من الأهداف التي كان يسعى إلى تحقيقها من خلال بعض تآليفه، وقد يكون لعامل الذوق عنده أثر كبير في إكثار الشواهد، إذ كثيرا ما كان يورد من القصيدة بيتا هو بيت الاستشهاد، إلّا أنّه يقول: وممّا تخيّرته من هذه القصيدة كذا وكذا، ويذكر عدّة أبيات أو يستكمل القصيدة ويعتذر بعد إيرادها كاملة بأنّ ما فيها من الطلاوة وحسن السبك هو الذي جعله يورد ما أورد، وقد سلك هذا المسلك مع من يحبّهم من الشعراء، كالمتنبّي وابن نباتة المصريّ، ومن سار على منهاجهم من جماعة المولعين بالتورية. ومع هذا فعماد بديعيّته مئة واثنان وأربعون بيتا، تضمّنت مئة وسبعة وأربعين نوعا بديعيّا، التزم فيها التورية باسم النوع البديعيّ، على غرار ما فعله الموصلّيّ، وقد أخلّ بذلك بأربعة أنواع ذكرها الصفيّ في بديعيّته وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت