لأنّ «أبا بكر» أمامي وحبّه ... غدا سنّتي وهو المقدّم في الذّكر [1]
وكان في بداية تردّده على مشايخه ينظم الأزجال والمواليا والموشّح، ولم يكن قد تمكّن بعد من اللّغة والتعبير، لذا فإنه عندما صلب عوده وبلع أشدّه، راجع ما كتب ونظم في مبادئ عمره، فوجده دون الكمال فأعاد نظره فيها، وبهذا يكون ابن حجّة بدأ يرشد نفسه بنفسه.
لقد كان هؤلاء الشيوخ بعض من تلقّى عنهم ابن حجة ثقافته الدينية والعلمية والأدبية، أمّا إذا كان لا بدّ من ذكر علاقاته مع أصدقائه الذين كان لهم بعض التأثير في ثقافته لمراسلتهم ومكاتبتهم، فلا بدّ من الرجوع إلى ابن حجّة نفسه يحدّثنا عنهم، ويبيّن لنا علاقته الأدبية بهم، إذ يقول: «وممّن أدركتهم وحاضرتهم وكتبوا إليّ وكتبت إليهم من أهل مصر والشام: الشيخ زين الدين بن العجميّ، عين كتاب الإنشاء الشريف بالشام المحروس، والشيخ علاء الدين بن أيبك، والشيخ جلال الدين ابن خطيب داريّا، والشيخ شمس الدين المزيّن، والشيخ شرف الدين عيسى العالية، والشيخ جمال الدين عبد الله السوسيّ، أدركته بمصر ولكن ما حاضرته، والشيخ شمس الدين العطّار، أدركته أيضا بمصر وما حاضرته، والصاحب فخر الدين بن مكانس، حاضرته وأنشدته وأنشدني، وكتب إليّ وكتبت إليه، والشيخ شمس الدين المتّينيّ، رحمه الله تعالى، بالغ في الخدمة بالديار المصرية، وأمّا سيّدي أبو الفضل ابن أبي الوفاء، قدّس الله روحه، فإنّي أدركته بالديار المصريّة، وسمعت نظمه، ولكن ما تمثّلت بحضرته. والفرقة التي أطال الله بقاءها، وأمست قواعد بيوت الأدب بها قائمة، وختمت بها هذه الطريقة، وأخلصوا بالعمل ففازوا بالحالين بحسن الخاتمة، أبقاهم الله للمسلمين، منهم: مولانا قاضي القضاة إمام الحفّاظ وشيخ الإسلام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجر العسقلانيّ الشافعيّ، متّع الله الإسلام والمسلمين في هذا العصر بحياته، والشيخ بدر الدين الدمامينيّ، والشيخ بدر الدين البشتكيّ، والقاضي مجد الدين بن مكانس (ابن فخر الدين) ، درجوا بالوفاة إلى رحمة الله» [2] .
ويجب ألّا ننسى أن ابن حجة كان قد تتلمذ على شعراء عصره، بل على
(1) ديوانه ورقة 33ب 34أ.
(2) «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 42. وانظر خزانة الأدب 3/ 368366.