ففي حديثه عن «براعة الاستهلال» مثلا، يتعرّض لمطلع ابن جابر فيقول: «فهذه البراعة ليس فيها إشارة تشعر بغرض الناظم وقصده، بل أطلق التصريح، ونثر المدح، ونشر طيب الكلم» [1] ، ثم يثني على مطلع صفيّ الدين الحليّ فيقول:
«وبراعة الشيخ صفي الدين الحليّ في هذا الباب من أحسن البراعات وأحشمها» ، إلّا أنه لم يتعرض لذكر براعة الاستهلال عند عزّ الدين الموصليّ، إذ إنّه سرقه منه.
ومن زهوّه بشعره قوله مثلا وهو يقدّم لقصيدة له: «وقلت بعد المطلع أخاطب النسيم بما هو أرقّ منه» [2] . هذا المنهج الذي اعتمده ابن حجّة في تتبّعه من سبقه مع الزهو الذي تميّز به لم يرق لكثير من المؤلّفين والنقّاد، فوقفوا له بالمرصاد، وسلّوا سيوف النقد عليه وعلى إنتاجه، يغربلونه وينخلونه باحثين فيه عن كل هنة، ومن هؤلاء الشيخ عبد الغنيّ النابلسيّ في شرحه «نفحات الأزهار» حيث لم يستطع أن يخفي ازدراءه وانتقاده لابن حجّة، فصرّح به منذ بداية شرحه قائلا: «ثمّ شرح قصيدته شرحا أخذ فيه بأذيال الإطالة، وألبسه حلل السآمة والملالة، وتشدّق في عباراته، وأفحش في إشاراته، مع ما في أبيات قصيدته من الركّة والقلاقة، واختلاس كلمات غيره بحسب ما عنده من الفاقة» [3] . وشرع بعد ذلك يتتبّع ابن حجّة في بديعيته وانتقاداته لغيره ولسابقيه من أصحاب البديعيات، ينقّب عن سرقاته، ويتقصّى هنواته وعثراته ومجانبته للصواب، فوجد أن عدم تعرّض ابن حجّة لمطلع الموصليّ يعود إلى أنّه قد سرقه منه، وقال: «وقد دخل هذا البيت فكر ابن حجّة فسرق من مصراع الباب» [4] ، وفي بيت «التكميل» مثلا، يردّ على ابن حجّة انتقاده عدم وضوح بيت صفيّ الدين، فيقول: «ومحل التكميل قوله: «تعضدها عناية» ، إلى آخره، وعجيب كيف ينكر ذلك منكر، وشمس العناية مشرقة في أفق البيت» [5] .
وممّن تتبّع ابن حجّة في عمله ابن معصوم المدنيّ، فنظم بديعيته «التي فاقت بديعية ابن حجّة فلو أدركها لما قامت له معها على تزكية نفسه حجّة» [6] ، وإذا بحثت
(1) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 342.
(2) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 425.
(3) نفحات الأزهار ص 3.
(4) نفحات الأزهار ص 12.
(5) انظر نفحات الأزهار ص 137وخزانة الأدب وغاية الأرب، باب «التكميل» .
(6) أنوار الربيع 1/ 28.