ودر لحكم زمان كلّما دار، وصير الناس إن صحبهم سكنا ودارهم، فلبيب القوم من دارى إلى نصرهم وما أظنّ هذا الجزار إلّا قاصرا على الاستعار».
هذا ما كتبته بخطّي حين طالعتها، وأنا الفقير مصطفى بن محمد البرهاني الداغستاني سنة 1232هـ.، في ربيع الثاني».
هذا بالإضافة إلى تقاريظ ومآخذ أخرى، قد وردت مبثوثة في ثنايا هذه الدراسة، أثناء الكلام على قيمة هذه الخزانة، وأثرها في الأدب والنقد والبلاغة [1] .
ويبقى ل «تقديم أبي بكر» و «شرحه» مآخذ معدودة، لعلّ أهمّها ما نلاحظه على ابن حجة من عدم تورّعه عن ذكر بعض الشواهد الشعرية الفاحشة، التي يجدر بأرباب الأقلام والأدب أن يربأوا بأنفسهم عن ذكرها أو التلفّظ بها، ولا سيّما إذا عرفنا أن ابن حجّة كان قادرا على أن يأتي ببديل عنها، إذ جاء بها للتمثيل على الأنواع البديعية، وكيف له أن يستشهد بمثل تلك الأشعار في شرحه، وهو الذي وضع للبديعية قواعد وشروطا في «الأدب والاحتشام» لكونها مديحا نبويّا؟ وهو القائل:
«إن الغزل الذي يصدّر به المديح النبويّ، يتعيّن على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدّب ويتضاءل ويتشبّب، مطربا بذكر «سلع» و «رامة» وو يطرح ذكر محاسن المرد، والتغزّل في ثقل الردف وبياض الساق وحمرة الخدّ وقلّ من يسلك هذا الطريق من أهل الأدب» [2] . وهل يعني ذلك أنّ على الناظم أن يحسن أدبه في نظمه للبديعية، ويترك الأدب والاحتشام والتعفّف في «شرحه لها» ؟!
وما يلاحظ في «شرحه» أيضا ظاهرة الإطالة في الشرح، التي قد تبلغ أحيانا حدّ الملل، وإن كان يبرّر بين الحين والآخر ورود مثل هذه الإطالة التي كان يتحاشى الوقوع فيها وحسبك أن تنظر في شرحه لباب «التورية» لترى ما وصلت إليه من الإطالة والاستطراد. وليس هذا وحسب، فقد طالعنا ابن حجة في خزانته بظاهرة أخرى، هي ظاهرة «التكرار» ، فكثيرا ما تراه يكرّر البيت أكثر من مرّة، في أكثر من موضع، ولعلّ ذلك يعود لما يقتضيه الاستشهاد على النوع البديعيّ بأبيات، يمكن
(1) لم أذكر هذه التقاريظ والمآخذ هنا، منعا للتكرار، ولتراجع هذه في مكانها من البحث.
(2) خزانة الأدب وغاية الأرب باب «براعة الاستهلال» 1/ 344342.