الاستشهاد بها على أنواع بديعية أخرى، كما يعود لخلطه بين شواهد بعض الأبواب، كما في شواهد «التوجيه» و «التورية» ، وغيرهما، وأبرز هذه الشواهد المكرّرة ما أورده من شعر جمال الدين بن نباتة الذي أخذه عن علاء الدين الوداعيّ.
وما يؤخذ على ابن حجة في خزانته أنه كان في نقده أحيانا إذا أحبّ شاعرا أعجب بشعره، فإذا أثنى عليه ألبسه من ثياب الثناء والمدح حلّة سيراء، وأفرط في تعظيم صنيعه، وإذا غضب على شاعر تناوله بالقدح والذمّ، واتّهمه بسوء الصنيع أو السرقة أو التطفّل على موائد الفحول فمن الذين أثنى عليهم في جلّ نقده الشيخ جمال الدين بن نباتة، وعلاء الدين الوداعي، والقاضي الفاضل، وأغلب أنصار «التورية» ، أمّا الذين تحامل عليهم فأغلبهم من أنصار «الجناس» ، وعلى رأسهم صلاح الدين الصفديّ، وابن العطّار، كما يؤخذ عليه في نقده أحيانا إصداره للأحكام النقديّة التي تعوزها الدقة ووضوح المقياس النقديّ والصوابيّة، فكثيرا ما كان يكيل المدح والثناء ويفرط في الاستحسان لمجرّد ظاهرة بسيطة لا تستحقّ جزءا يسيرا من هذا الاستحسان، بالإضافة إلى الثناء الذي كاله بغير حساب لبعض أصدقائه، وإنّك لتجد شواهد ذلك في معظم أبواب «الخزانة» ، وأبرز مثال على ذلك انحيازه في الحكم أثناء تحكيمه بين الشيخين صفيّ الدين الحليّ وجمال الدّين بن نباتة، إذ يقول (من الطويل) :
تصفّحت ديوان الصفيّ فلم أجد ... لديه من السّحر الحلال مرامي
فقلت لقلبي دونك ابن نباتة ... ولا تتبع الحلّيّ فهو حرامي [1]
ومهما يكن من أمر هذه البديعية وشرحها وما قيل فيها من أقوال، فإنها تبقى خزانة للأدب وموسوعة لمختلف العلوم السائدة في عصر ابن حجّة، ولا أبالغ إذا قلت ما قاله ابن حجر فيها: هي «مجموع أدب قلّ أن يوجد في غيره، ولعلّ مقتنيه يستغني عن غيره من الكتب الأدبية، ولو لم يكن له فيه إلّا جودة الشواهد لكلّ نوع من الأنواع مع ما امتاز به من الاستكثار من إيراد نوادر العصريين للضرب بها على غير أهلها، فإن مالكه مرتفع عنه كلفة العارية» [2] .
(1) البيتان مخرّجان في مكانهما من الخزانة.
(2) النسخة «ك» من مخطوطة الخزانة، الصفحة الأولى قبل صفحة العنوان.