(11) ولما كان الشيء المعلوم بالبرهان إنما يقع [1] لنا التصديق اليقينى به من قبل القياس البرهانى وكان التصديق بالقياس البرهانى إنما يكون من قبل المقدمات التي منها ائتلف القياس، فقد يجب من ذلك أن لا تكون معرفتنا بالشيء المعلوم بالبرهان وهى النتيجة ومعرفتنا بالمقدمات التي بها عرفت النتيجة على حد سواء أعنى أن تكون معرفتنا بالمقدمات والنتيجة في مرتبة واحدة من المعرفة وذلك إما في جميع المقدمات وإما في بعضها، بل يجب ضرورة أن تكون معرفتنا بالمقدمات أكثر. وذلك أن الشيء [2] الذي من أجله وجد شيء ما بصفة ما هو أحق بوجود تلك الصفة له من الشيء الذي وجدت له تلك الصفة من قبله. ومثال ذلك أنا لما كنا نحب المعلم من أجل حب الصبى فقد يجب أن يكون حبنا للصبى أكثر من حبنا للمعلم. وكذلك إن كنا إنما نصدق بالنتيجة من أجل تصديقنا بالمقدمات فقد يجب أن يكون تصديقنا بالمقدمات أكثر إذ كان تصديقنا بالنتيجة هو من أجل تصديقنا بالمقدمات. ومحال أن يكون تصديق الإنسان بالشيء الذي لا يعرفه أكثر من الشيء الذي يعرفه وأن يكون في علمه أفضل من الشيء الذي يعرفه وإن اتفق له أن يعرفه بعد الجهل به، لأن الجهل قد يلزمه إن لم يتقدم الإنسان فيعرفه بالأشياء التي لم يجهلها قط. وإذا كان هذا هكذا فواجب أن تكون مبادئ البرهان إما كلها وإما بعضها أعرف من النتيجة.
ومن أراد أن يحصل له العلم البرهانى فليس يكتفى أن تكون المقدمات أعرف من النتيجة عنده وأن يكون تصديقه بها أكثر من تصديقه بالنتيجة، بل وقد يحتاج
(1) يقع ف، ق، م، ذ، ج، ش: وقع ل.
(2) الشيء ف، ق، م، د، ج، ش: الامرل.