ودخلت الفاء قال الزمخشري: بمعنى كنتم تقولون للوحي: هذَا سِحرٌ فسحر هذا يريد هذا المِصْداق أيضًا سحر؛ ودخلت الفاء لهذا المعنى، وهذا تحقيقٌ للأمر؛ لأن من يرى شيئًا ولا يكون الأمر على ما يراه فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين: إما لأمر عائدٍ إلى المرئيّ، وإمَّا لأمرٍ عائد إلى الرائي، فقوله: «أَفَسحرٌ هَذَا» أي هل في الموت شكٌّ أمْ هل في بصركم خَلَل؟! فهو استفهام إنكار أي لا أمر مِنْهُمَا ثابتٌ فالذي تَرَوْنَهُ حق وقد كنتم تقولون: إنه ليس بحق، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلى السحر، وأنه يغطي الأبصار بالسِّحر، وانشقاق القمر وأمثاله سحر، فوبخوا به، وقيل لهم: أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون.
قوله: اصْلَوْ (هَا) أي إذْ لم يمكنكم إنكارها، وتحقق أنه ليس بسحر ولا خَلَل في أبصاركم فاصْلَوْهَا؛ أي قاسوا شدتها. {فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} أي الصبر وعدمه سواءٌ، وهذا بيان لعدم الخَلاص.
قوله: «سَوَاءٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي صبركم وتركه سواء. قاله أبو البقاء.
والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي سواء الصبرُ والجزعُ، قاله أبو حيان.
قال شَهابُ الدِّين: والأول أحسن، لأن جعل النكرة خبرًا أولى من جعلها مبتدأ وجعلِ المَعْرِفَةِ خبرًا.
ونحا الزمخشري مَنْحَى الوجه الثاني فقال: «سواء» خبره محذوف أي سواء عليكم الصَّبْرَانه الصبرُ وَعَدَمُهُ.
قوله: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيه لطيفة، وهي أن المؤمن بإِيمانه اسْتَفَادَ أن الخير الذي يَنْويهِ يُثَابُ عَلَيْه، والشَّرَّ الذي يقصِدُهُ ولا يقع منه لا يعاقَبُ عليه ولا ظلم، فإن الله تعالى أخبره به وهو اختار ذلك ودخل (فيه) باختياره، فإن الله تعالى قال بأن من كفر ومات كافرًا عذبته أبدًا فاحذَرُوا، ومن آمن أَثَبْتُهُ دائمًا فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعدما سمع ذلك فإذا عوقب دائمًا فهو تحقيق لما أَوْعَدَ به فلا يكون ظلمًا.