فهرس الكتاب

الصفحة 9162 من 12961

قوله: {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} الآية.

لما بيّن ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما للكفار من سوء العذاب، فقال: {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} القبيحة، حتى رأوها حسنة، «فهم يعمهون» يترددون فيها متحيرين. فإن قيل: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان في قوله {زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ} [الأنفال: 48] ؟ .

فالجواب: أما أهل السنة فأجروا الآية على ظاهرها، لأن الإنسان لا يفعل شيئًا ألبتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد، أو الظن بكون الفعل مشتملًا على منفعة، وهذا الداعي لا بد وأن يكون من فعل الله تعالى لوجهين:

الأول: أنه لو كان لافتقر فيه إلى داع آخر، ولزم التسلسل، وهو محال.

الثاني: أن العلم إما أن يكون ضروريًا، أو كسبيًا، فإن كان ضروريًا فلا بد من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسبًا، لأن المكتسب إن كان شاعرًا به، فهو متصور له، وتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن متصورًا، كان غافلًا عنه، والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبًا له. فإن قيل: هو مشعور به من وجه، قلنا: فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به، فيعود التقسم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين.

وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب ألبتة، والعلم الضروري هو الذي يكون مكتسبًا، فإن كل واحد من تصوُّريه كاف في حصول التصديق، فالتصورات غير مكتسبة فهي مستلزمة التصديقات، فإذن متى حصلت التصورات البديهية، كان التصديق بها بديهيًا فهي مستلزمة التصديقات، فإذن متى حصلت التصورات البديهية، كان التصديق بها بديهيًا وليس كسبيًا. ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة التصديقات النظرية، كانت كسبية، لأن لازم الضروري ضروري، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها علومًا نظرية كذلك، بل هي اعتقادات تقليدية، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت