قوله تعالى: {َلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا} لمَّا منعهم من الإعراض والتَّكْذيب، والاسْتِهْزاءِ بالتهديد والوعيد، أتْبَعَهُ بما يجري المَوْعِظةِ، فوعظهم بالاعْتِبَار بالقُرُونِ الماضية.
و «كم» يجوز أن تكون اسْتِفْهاميَّةً وخبَريَّةً، وفي كِلاَ التقديرين فهي معلقة للرؤية عن العَمَلِ، لأنَّ الخَبَريَّةَ تجري مجرى اسْتِفْهاميَّةِ في ذلك، ولذلك أعطيت أحكامها من وجوب التَّصْديرِ وغيره، والرُّؤيَةُ هنا عِلْميَّةٌ، ويضعف كونها بصرية، وعلى ككلا التقديرين فهي معلّقة عن العمل؛ لأنَّ البصرية تجر مجراها، فإن كانت عِلْمِيَّةً ف «كم» وما في حيَّزها سادَّة مسدَّ مفعولين، وإن كانت بَصَريَّةً فمسدّ واحد.
و «كم» يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص، فتكون مفعولًا بها، نَاصِبُهَا «أهْلَكْنا» أي: إهلاكًا، و «من قرنٍ» على هذا صِفَةٌ لمفعول «أهَلكْنَا» أي: أهلكنا قومًا، أو فوجًا من القُرُونِ؛ لأنَّ قرنًا يُرَادُ به الجَمْعُ، و «مِنْ» تبعيضية، والأولى لابتداء الغاية.
وقال الحُوفي: «من» الثانية بَدَلٌ من «مِنْ» الأولى، وهذا لا يُعْقَلُ فهو وَهْمٌ بَيَّنٌ، ويحوز أن تكون «كم» عبارة عن الزَّمَانِ، فتنتصبُ على الظرف.
قال أبو حيان: تقديره: كم أزمنةٍ أهلكنا فيها.