الكاف في قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ» فيها الوجهان المَشْهُوران كما تقدم ذلك غير مَرَة: إما النصب على النعت، أو على الحال من المصدر المحذوف.
والتقدير: وكذلك جعلناكم أمّة وسطًا جعلًا مثل ذلك، ولكن المشار إليه ب «ذلك» غير مذكور فيما تقدم، وإنما تقدم ام يدلّ عليه. واختلفوا في «ذلك» على خمسة أوجه:
أحدها: أن المشار إليه هو الهُدى المدلول عليه بقوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .
والتقدير: جعلناكم أمة وسطًا مثل ما هديناكم.
الثاني: أنه الجعل، والتقدير: جعلناكم أمة وسطًا مثل ذلك الجَعْل القريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية.
الثالث: قيل: المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسّطة جعلناكم أمة وسطًا.
الخامس - وهو أبعدها - أن المشار إليه قوله: {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} [البقرة: 130] أي: مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطًا.
[قال ابن الخطيب: ويحتمل عندي أن يكون التقدير: ولله المشرق والمغرب، فهذه الجهات بعد استوائها لكونها مِلْكًا لله تعالى، خصّ بعضها بمزيد الشرف والتكريم، بأن جعله قبلة فضلًا منه، وإحسانًا؛ فكذا العباد كلهم يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة، فضلًا منه وإحسانًا لا وجوبًا.
وفيه وجه آخر: وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء، وإن لم يكن المضمر مذكورًا إذا كان المضمر مشهورًا معروفًا، كقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر} [القدر: 1] لأن المعروف عند كل أحد أنه - سبحانه وتعالى - وهو القادر على إعزاز من يشاء من خلقه، وإذلال من يشاء، فقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطًا] .