فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 12961

بينهما] ، قال تعالى: {إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70] ، وقال في وصف ثمارِ الجنةِ: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِها} [البقرة: 25] أي: مُتَّفِق المنظر، وقال تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُم} [البقرة: 118] ، ويقال: أشبه عليَّ الأمر إذا لم يَظْهَر له الفرق ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمُورٌ مُتَشابِهَاتٌ» وفي رواية مشتبهات، ثم لما كان من شأن المتشابهَيْن عَجْزُ الإنسانِ عن التمييز بينهما، سمِّي كلُّ ما لا يَهْتَدِي إليه الإنسان بالمتشابه؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبَّب، ونظيره المشكل، سُمِّي بذلك؛ لأنه أشكل أي: دخل في شكل غيره، فأشبهه وشَاكَله، ثُمَّ يقال لكل ما غَمُضَ - وإن لم يكن غموضُه من هذه الجهةِ - مشكلًا، ولهذا يُحْتَمَل أن يقال للذي لا يُعْرَف ثبوتُه أو عدمُه، وكان الحكم بثبوته مساويًا للحكم بعدمه في العقل والذهن ومشابهًا [له] ، ولم يتميز أحدُهما عن الآخر بمزيد رُجْحَان، فلا جرم يُسَمَّى غير المعلوم بأنه متشابه.

قال ابن الخطيبِ: «فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغةِ، والناس قد أكثروا في تفسير المحكَم والمتشابه، ونحن نذكر الوجهَ الملخص الذي عليه أكثر المحققين ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول: إذا وُضِعَ اللفظ لمعنى فإما أن يحتمل غيره أو لا، فإن كان لا يحتمل غيره فهو النص، وإن احتمل غيرَه فإما أن يكونَ احتماله لأحدهما راجحًا على الآخر، فيكون بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولًا، وإن كان احتماله لهما على السوية، فيكون اللفظ بالنسبة إليهما معًا مشتركًا، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملًا، فحصل من هذا التقسيم أن اللفظ، إما أن يكون نصًا، أو ظاهرًا، أو مؤولًا، أو مشتركًا، والنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمَّى بالمحكَم، أما المجمل والمؤول، فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة [وإن لم يكن راجحًا، أو غير مرجوح، والمؤوَّل - مع أنه غير راجح - فهو مرجوح، لا بحسب الدليل المنفرد] ، فهذا القدر المشترك هو المسمَّى المتشابه؛ لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعًا، وقد بينَّا أن ذلك يسمى متشابهًا، إما لأن الذي لا يُعْلَمُ يكون النفي فيه مشابهًا للإثبات في الذهن، وإما لأجل أن الذي [يحصل] فيه التشابه يصير غير معلوم، فيطلق لفظ» المتشابه «على ما لا يُعْلَم؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب فهذا هو الكلام المحصَّل في المحكَم والمتشابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت