وقال أبو البقاء: «فيكون - أي فيصير - فيجوز أن يكون» كان «هنا - التامة؛ لأن معناها» صار «بمعنى: انتقل، ويجوز أن تكون الناقصة، و» طَائِرًا «- على الأول - حالٌ، وعلى الثاني - خَبَرٌ» .
قال شِهَابُ الدِّينِ: «ولا حاجة إلى جعله إياها - في حال تمامها - بمعنى» صار «التامة التي معناها معنى» انتقل «بل النحويون إنما يقدرون التامة بمعنى حدث، ووجد، وحصل، وشبهها وإذا جعلوها بمعنى» صار «فإنما يعنون» صار «الناقصة» .
وقرأ نافع ويَعْقُوبُ فيكون طائِرًا - هنا وفي المائدة - والباقون «طَيْرًا» في الموضعين.
فأما قراءة نافع فوجَّهَهَا بعضُهم بأنَّ المعنى على التوحيد، والتقدير: فيكون ما أنفخ فيه طائرًا ولا يعترض عليه بأن الرسمَ الكريمَ إنما هو «طَيْرًا» - دون ألف - لأن الرسم يُجوِّز حذف مثل هذه الألف تخفيفًا ويدل على ذلك أنه رسم قوله تعالى: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ولا طير - دون ألف - ولم يقرأه أحد «طائر» - بالألف - فالرسم محمل، لا مُنَافٍ.
قال بعضهم كالشارح لما تقدم: ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير الخفّاشِ، وزعم آخرون أن معنى قراءته: يكون كل واحد مما أنفخ فيه طائرًا، قال: كقوله تعالى: {فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] أي اجلدوا كل واحد منهم وهو كثير من كلامهم.
وأما قراءة الباقين فمعناها يحتمل أن يُرَاد به اسم الجنس - أي: جنس الطير - ويُحْتَمل أن يُرَاد به الواحد فما فوقه، ويحتمل أن يراد به الجمع، ولا سيما عند من يرى أن طيرًا صيغة جمع نحو رَكْب وصَحْب وتَجْر؛ جمع راكب وصاحب وتاجر - وهو الأخفشُ - وأما عند سيبويه فهي عنده أسماء جموع، لا جموع صريحة وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وحسن قراءة الجماعة لموافقتها لما قبلها - في قوله: {مِّنَ الطير} - ولموافقة الرسم لفظًا ومعنى.
قوله: {بِإِذْنِ الله} يجوز أن يتعلق ب «طَيْرًا» - على قراءة نَافِعٍ، وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به؛ لأن «طَيْرًا» اسم جِنْسٍ، فيتعلق بمحذوف على أن صفة لِ «طَيْرًا» أي: طيرًا ملتبسًا بإذن الله - بتمكينه وإقداره.
قال أبو البقاء: متعلق ب «يكون» . وهذا إنما يظهر إذا جعل «كان» تامة، وأما إذا جعلها ناقصة ففي تعلُّق الظرف بها الخلاف المشهور.